معركة بدر وأسرارها العظيمة (1-2)

أكتوبر 3rd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , مقالات ومواضيع في السيرة النبوية

معركة بدر وأسرارها العظيمة (1-2)
محمد عبده يماني

 

ما أروع أن تقف الأمة الإسلامية وقفات واعية عند تلك المواقف العظيمة في تاريخنا المشرف وتتعلم وتعلم أولادها أسرار هذه المعارك، وما أكرم الله سبحانه وتعالى به المسلمين وما منحهم من تأييدات وإعانات، وما وفقهم إليه من أعمال مجيدة وآراء سديدة، ولهذا فمن الواجب أن نقف بين وقت وآخر عند هذه المواقف ونعطيها ما تستحق

من دراسة وتمحيص، نستخلص ما فيها من دروس وعبر لنجعلها نبراساً يضيء لنا الطريق، ومنهج عمل نضبط به أعمالنا.

وفي هذه الأيام تمر بنا تلك الذكرى العطرة لأول معارك الإسلام التي كانت منها الانطلاقة الأولى لمعارك الجهاد والتي تجلى فيها النصر والتأييد، وأعز الله سبحانه وتعالى بها جنده، وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وتحولت من اعتراض لقافلة قريش، وهي خروج قصد فيه عليه الصلاة والسلام أن يقتص لما أصاب المسلمين في مكة المكرمة من مصادرة واعتداء على أموالهم وأنفسهم، وأراد أن يشعر قريشا بأن معسكر المدينة لم يعد معسكراً ضعيفاً، وسوف يتحرك لرد الظلم والعدوان الذي أصاب المسلمين في مكة، ولكن إرادة الله حولت الأمر من اعتراض لقافلة إلى معركة بين الإيمان والكفر، أعز الله بها جنده، وهزم بها عدوه، وقد أرى الله تعالى بها نبيه وأصحابه من آياته وتأييداته وعنايته ما جعلها أذكر معركة في تاريخ الإسلام، وسمى الله يومها يوم الفرقان؛ لأنها فرقت بين الحق والباطل، وهزمت فيها قوى البغي والفساد من قريش ولم يغن عنهم كثرة عددهم وعُددِهم من الله شيئاً، وكان الله مع المؤمنين على ما كانوا عليه من قلة وضعف.

ودعونا نستعرض القصة من بدايتها، فقد خرج الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان من السنة الثانية للهجرة حين ندبهم لاعتراض قافلة قريش العائدة من الشام بقيادة أبي سفيان، وذلك لأنه أراد أن يقتص لما أصاب أموال المهاجرين في مكة من نهب وسلب ولم يخرج لقتال ولكن التجارة قد أفلتت حين توجه أبو سفيان إلى الساحل، وابتعد عن الطريق المعتاد، ولكن رغم نجاة القافلة فقد جاءت قريش بألف من أشد فرسانها وزعمائها، وأكابر مجرميها، بكل صلفها وغرورها، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من الصحابة، منهم ثلاثة وثمانون من المهاجرين، والباقون من الأوس والخزرج من الأنصار، جاؤوا بسلاح قليل، وظهر قليل، فكان الثلاثة أو الأربعة منهم يتعاقبون على بعير واحد، فلما كانت المعركة أبدوا من الضراعة والتذلل وصدق التوكل والصبر، ومن ضروب البطولة، وألوان التضحية ما أدهش العقول وحير الألباب، فاستحقوا بذلك نصر الله تعالى وتأييده ورضوانه، وقد عُرف هؤلاء بالبدريين، أي بأهل بدر نسبة إلى تلك الغزوة التي غزوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تأييدهم بالإمدادات الغيبية:

1- أيد الله تعالى أهل بدر بكثير من آياته فمن آيات الله وتأييداته أنهم رأوا قريشاً قليلة بعددها وهم في الحقيقة كثيرون، وأرى الكفار المؤمنين أقلة ليغريهم بالنصر فتقع الحرب: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ}(1).

2- ومن آياته وتأييداته أن المشركين رأوا المؤمنين ضعف ما كانوا عليه حين التقى الجمعان للحرب فألقى الله الرعب في قلوبهم، والوهن في عزائمهم: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ}(2).

3- ومن آياته وتأييداته أن المسلمين قد أصابهم التعب والنصب والقلق من مواجهة قريش، وعلى مصير الدعوة فألقى الله تعالى عليهم لحظات من نعاس، فأذهب عنهم ما بهم من تعب وقلق فاستيقظوا وكأنهم ناموا ليلاً طويلاً، وكانوا في غاية النشاط والحماس: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ}.

4- وكانت أرض المعركة رخوة لا تثبت تحت الأقدام وأصابت بعض الصحابة جنابة وليس لديهم ماء يتطهرون به فخافوا أن يقاتلوا وهم على تلك الحال فأنزل الله عليهم من السماء ماء ثبت به الأرض تحت أقدامهم، وسال الوادي فتطهروا وارتاحت أنفسهم وقاتلوا وهم نشطون: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} (3).

روى ابن اسحاق عن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء، وكان الوادي دهساً (4)، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما لبد لهم الأرض.. وأصاب قريشاً ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه.

5- وتضرع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه يسأله النصر والتأييد لأهل بدر على ما كانوا عليه من قلة العدد والعُدد، وكان من تضرعه ودعائه قوله: اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض. وتضرع الصحابة يسألون الله العون والنصر والثبات، ويظهرون التذلل والتواضع فاستجاب لهم وأمدهم بملائكته فنزلوا بلباس الحرب وآلته، وبشر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بذلك فقال: أبشر أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه، يقوده على ثنايا النقع!!. وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب!!. فارتفعت معنويات الصحابة، وقد ذكر الله ذلك بقوله تعالى: {ذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} (5)، وفي قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} (6).

وأوحى الله تعالى إلى الملائكة أن يثبتوا الذين آمنوا في المعركة فقاتل الصحابة قتالا لا نظير له، وهبت عليهم روائح الجنة، فاستأسدوا في القتال، فلم يشعروا بخوف وذلك من تثبيت الملائكة، وإنزال السكينة!!.

6- أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب فرمى بها المشركين، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق أحد من المشركين إلا أصاب عينيه من ذلك التراب، فتألموا وتثبطوا عن القتال، وقد ذكر الله تعالى هذا في قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (7).

7- ظهر الشيطان للمشركين بصورة رجل فزين لهم القتال، فلما رأى نزول الملائكة ولى هارباً: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ال

المزيد


معركة بدر وأسرارها العظيمة (2-2)

أكتوبر 3rd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , مقالات اسلامية ومواضيع محتارة, مقالات ومواضيع في السيرة النبوية

معركة بدر وأسرارها العظيمة (2-2)
محمد عبده يماني

 

هذه حلقة ثانية عن هذه المعركة الخالدة في الإسلام وهي معركة بدر التي وقعت في السنة الثانية من الهجرة، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة لاعتراض القافلة وليس للقتال، ولكن إرادة الله عز وجل قضت بأن يتحول الخروج من ملاقاة للقافلة إلى معركة

كانت هي أول معركة في الإسلام يلتقي فيها الجمعان الإسلام والكفر، والايمان والشرك، نصر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وأيده والذين معه من الرجال الصادقين، وفي هذا الحديث نلقي الضوء على صور أخرى من صور هذه المعركة وأحداثها التي حدثت والتي تستحق الوقوف عندها لنتعلم منها الدروس والعبر.

كان من عجائب أهل بدر الألباب، ما يدهش الألباب، ويحير العقول، فقد خرجوا لاعتراض قافلة قريش بقيادة أبي سفيان، ولكن التجارة قد أفلتت، وجاءت قريش بصلفها وغرورها وعدوانها ووجد الصحابة أنفسهم أمام معركة لم يحسبوا حسابها، فلننظر كيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هذا الموقف العصيب؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي اختار أن يتحول الأمر من اعتراض للقافلة إلى قتال للمشركين، وحدد سبحانه وتعالى المكان والزمان والنتائج بسابق علمه سبحانه؟.

خطباء بدر:

استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ليرى رأيهم، فأجمعوا على قبول التحدي وخوض الحرب، فتكلم أبوبكر رضي الله عنه فأحسن، وتكلم عمر رضي الله عنه فأحسن، ثم تكلم المقداد فأحسن وكان مما قاله المقداد: (يا رسول الله امض لما أراك الله، فنحن معك، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد(1) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه!!

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يسمع رأي الأنصار فهم أكثرية أهل بدر، وقد أعطوه عهودهم ومواثيقهم في العقبة أن يدافعوا عنه في ديارهم، فقال: أشيروا عليَّ أيها الناس؟. فقال سعد ابن معاذ وهو سيد الأنصار: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال سعد: فقد آمنا بك وصدقناك وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالدي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد.. وفي رواية عند مسلم عن أنس أن سعد بن عبادة وهو من سادة الأنصار أيضاً - قال: والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها(2) البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها(3) إلى برك الغماد لفعلنا!!

إن ما قاله هؤلاء السادة العظماء يفرض علينا التأمل والنظر العميق إلى ما وراء الكلمات، فإن كل واحد منهم لم يتكلم باسمه وحده، بل تكلم المقداد باسم المهاجرين فلم يستثن منهم أحداً، وتكلم السعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة باسم الأنصار، فلم يستثنينا منهم أحداً، بل لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن كل واحد من هؤلاء الخطباء كان يتكلم باسم المهاجرين والأنصار، وهذا يعني أنهم كانوا على قلب رجل واحد، وأنهم عازمون على خوض الحرب بلا تردد من أحد على الإطلاق، وأنهم واثقون من وعد الله بنصرهم وتأييدهم!!

إنه موقف عظيم، وتاريخ مشرق، ذهب نوراً عبر التاريخ، وصورة مشرفة لهذه الصفوة من الرجال المؤمنين، والواثقين في نصره والمجاهدين في سبيله، وسوف يظل التاريخ يذكر كلمات سعد بن معاذ، وكلمات إخوانه المهاجرين والأنصار بمداد من نور، وسوف تبعث هذه الكلمات في قلوب الأجيال أنوار الأيمان واليقين، بأن النصر آت لا ريب فيه، وما على المسلمين إلا أن يعودوا عودة صادقة إلى الله حتى يأتي نصر الله وإن الله سيجعل بعد عسر يسراً.

الثناء عليهم:

لهذا حفلت سورة الأنفال - التي هي سورة بدر - بالثناء الكبير على أهل بدر، فمن ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(4).

وفي هذا من الثناء الجميل على أهل بدر خاصة، وعلى الصحابة عامة، ما لم يثن بمثله على أحد من العالمين، فقد شهد الله تعالى لهم بالإيمان، (وأيدك بنصره وبالمؤمنين) وجعلهم سبحانه ستار قدرته، فأنزل على أيديهم بأسه، وجعلهم قوة عظيمة، وقلباً واحداً يبعثون الرعب في القلوب، وجعل بينهم من التآلف والتواد والتراحم والتناصر على الحق ما لا سبيل إلى مثله عند غيرهم، وهذا أمر لا يقدر عليه أحد إلا الله، ولن تستطيع أموال الأرض كلها أن تفعل مثله، قال صاحب الكشاف رحمه الله: التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة، لأن العرب بما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغينة لا يأتلف منهم قلبان، ثم ائتلفت قلوبهم واتحدوا، وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم، وجمع من كلمتهم، وأ

المزيد


الحرب والسلام عند رسول الإسلام

يونيو 27th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , مقالات ومواضيع في السيرة النبوية

الحرب والسلام عند رسول الإسلام

أنور محمود زناتي
تاريخ الإضافة: 14/06/2008 ميلادي - 9/6/1429 هجري
زيارة: 551     



كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مثلاً أعلى للإنسانية الكاملة، وكانت شخصيته الخُلُقية شخصيةً كاملة سامية متعددة النواحي، وقد اجتمع فيه من محاسن الآداب ومكارم الأخلاق ما لم يجتمع لغيره من الناس؛ سواء في شبابه أو في رجولته؛ وسواء قبل بعثته أو بعدها، وقد أجمع المتقدمون والمتأخرون من الرواة والمؤرخين في الشرق والغرب على أنه عُرف في صباه وشبابه بالصدق والأمانة، والتمسك بالفضائل، والترفع عن الرذائل حتى عُرف بين قومه بالأمين، وقد أعده الله تعالى للنهوض بأعباء الرسالة ونشر الدين الحنيف بالحكمة والموعظة الحسنة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -مبينًا الغرض الأساسي من بعثته النبوية السامية-: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)[1]، ومكارم الأخلاق هذه هي الأساس في حفظ حقوق الآخرين، وعدم الاعتداء، وسلامة المجتمع، ومن ثم التقليل من الخسائر بما يضمن للآخرين التعايش بالصورة الإنسانية الصحيحة.
وكانت سيرته صلى الله عليه وسلم تؤكد أن كل من هادَنَه لم يقاتلْه؛ سواء أكان من مشركي العرب أم من غيرهم، والمتتبع لأحكام السُنة النبوية ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم في الحروب وسيرته العطرة يري أن الخُلُق العظيم هو جوهر رسالته.
فقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأخلاق في سلمه وحربه إلى أن لقي ربه، فهو الصادق إذا ذكر الصدق، وهو الوفي الكريم، الزاهد، الشجاع، المتواضع، الرحيم، البار، الحكيم، الأمين، الوفي، العابد، كان الرسول صلى الله عليه وسلم هذا كله، وكان فوق هذا، فكانت أخلاقه فوق الصعاب، وفوق كل الظروف والتقلبات التي تأتي بها الأيام، فقد كان قادرا على أن يلتزم الموقف الأخلاقي المناسب، مهما تكن اللحظة التاريخية حرجة وحاسمة، إنه نبي يشرع بسلوكه، وينطلق من منهج واضح وليس من ردّ فعل تُمليه أو تفرضه أية ضغوط أو ظروف.
ولقد سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خُلق رسول الله فقالت: “كان خُلُقه القرآن”[2]، وسُئلت مرة أخري فقالت: لم يكن فاحشًا ولا متفحشًّا.. ولكنه يعفو ويصفح، وما خير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما”[3]
هذا ما جبله الله عليه من الأخلاق الجبلية الأصيلة العظيمة التي لم يكن أحد من البشر -ولا يكون- على أجمل منها، وشرع له الدين العظيم الذي لم يشرعه لأحد قبله، وهو مع ذلك خاتم النبيين، فلا رسول بعده ولا نبي؛ صلى الله عليه وسلم، فكان فيه من الحياء والكرم والشجاعة والحلم والصفح والرحمة وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يُحد ولا يُمكن وصفه[4].
وقد بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين، والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل، وسائر المعمورة أحوج ما يكون إلى هديه ورسالته[5] فاستطاع محمد صلى الله عليه وسلم بأخلاقه السمحة أن يحوّل الهمجية إلى شجاعة، والطغيان إلى رحمة وعدل، متبعًا في ذلك ما يوحى إليه من لدُن عليم خبير؛ فصار الشر خيرًا، وتبدل الظلام إلى نورٍ وهَّاج يضئ القلب والبصيرة.
وكانت مهمته صلى الله عليه وسلم هي القضاء على النظام القبلي القوي الذي كان مسئولا عن اندلاع نار الحرب -على نحو موصول تقريبًا- بين العرب، والاستعاضة عنه بولاء لله يسمو على جميع الروابط الأسرية والأحقاد الصغيرة. وكان عليه صلى الله عليه وسلم أن يعطي الناس قانونًا كليًا يستطيع حتى العرب المتمردون قبولَه والإذعانَ له، وكان عليه أن يفرض الانضباط على مجتمع عاش على العنف القبلي والثأر الدموي لضروب من المظالم بعضها واقعي وبعضها متوهم، فكان عليه أن يحلّ الإنسانية محل الوحشية، والنظام محل الفوضى، والعدالة محلة القوة الخالصة[6]. ويعبر عن ذلك الوضع قول أحمد شوقي[7]:

والأرض   مملوءة    جورًا    مُسخّرةٌ        لكل   طاغية    في    الخَلْق    محتكمِ
مُسَيْطِر   الفرْس   ِيبغي   في    رعيتهِ        وقيصرُ  الروم  من   كِبر   أصم   عَمِ
يُعذِّبان    عباد     الله     في     شُبَهٍ        ويذبحان    كما    ضحَّيتَ     بالغنمِ
والخَلقُ   يفتك    أقواهم    بأضعفهم        كالليث بالبَهْمِ أو كالحوت بالبَلَم
[8]

فكان عليه صلى الله عليه وسلم أن يُحلّ الإنسانيةَ محل الوحشية، والنظام محل الفوضى، والعدالة محلة القوة الخالصة[9].

وفي الحرب ضرب الرسولُ الكريم أروعَ المثل على الرحمة والعدل والتفضل ومراعاة أعلى آدابها الإنسانية؛ ففي قتاله لا يَغدر ولا يفسد ولا يَقتل امرأة أو شيخًا أو طفلا، ولا يَتبع مُدبرا، ولا يُجهز على جريح، ولا يُمثِل بقتيل، ولا يسيء إلى أسير، ولا يلطم وجها، ول

المزيد


التاريخ الإسلامي عرضة للتشويه من قبل أبنائه

يونيو 27th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , مقالات اسلامية ومواضيع محتارة, مقالات ومواضيع في السيرة النبوية

التاريخ الإسلامي عرضة للتشويه من قبل أبنائه

حتى لا نكتب البرامج التعليمية بمداد الوهم

لمَّا كان التاريخ ذاكرة ومرآة الأمم وسيرتها، يُجسِّد ماضيها ويعكس شخصية الشعوب عقيدةً وثقافةً وحراكًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، ويترجم حاضرها، وتستلهم من خلاله دروس مستقبلها - كان من الأهمية بمكان الاهتمامُ به، والحفاظ عليه، ونقله إلى الأجيال نقلاً صحيحًا، بحيث يكون نبراسًا وهاديًا - بعد توفيق من الله - لهم في حاضِرِهم ومستقبلهم؛ فالشعوب التي لا تاريخ لها لا وجودَ لها، إذ به قوام الأمم، تحيا بوجوده وتموت بانعدامه.
ونظرًا لأهمية التَّاريخ في حياة الأمم، فقد لجَأَ أعداءُ وأدْعِياء هذه الأمة - فيما لجؤوا إليه - إلى تاريخها، لتشتيت جمعها، وتفتيت أوصالها، وتهوين شأنها، فأدخلوا فيه ما أفسد كثيرًا من الحقائق، وقلب كثيرًا من الوقائع، وأقاموا تاريخًا يوافق أهواءهم و أغراضهم، ويخدم مآربهم، ويحقق ما يصبون إليه.  
موضوع تزوير التاريخ الإسلامي، طويل وعناصره كثيرة، ولكنني سأحاول الاختصار بقدر الإمكان مكتفيًا من القلادة بما أحاط بالعنق.. إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ فكانت هذه السطور تذكيرًا، ونصحًا، وتبيانًا، وتحذيرًا من عاقبة تزوير وتحريف الكلم عن مواضعه..
شاع في العصر المتأخر في كثير من محافل العلم والثقافة، والمناهج التربوية - التعليمية، عدد من المغالطات والتُرَّهات والأباطيل والتخرصات التي يراد من ورائها زحزحة المسلمين عن دينهم وتشويه حقهم، وتشويه العقائد الخالصة لصد الناس عنها، هذه المغالطات تقدم بصورة يحسبها بعضهم علمًا وسبقًا في الأركيولوجية التاريخيَّة، وما هي كذلك؛ وهم بهذا يريدون أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولهذا يجب إماطة اللثام وكشف النقاب عن مثل هذه المغالطات وإظهار ما يهدمها من حقائق، ومن بين هذه الأخطاء:
1 - في برنامج التاريخ الطبعة الأولى 1994 - 1995؛ تضمن درسه الأول (التطورات الكبرى في عصر ما قبل التاريخ) إشارة داروينيَّة؛ مفادها أن الإنسان عرف تطورًا في خِلقته (انظر: الجدل المأخوذ من الكتاب، ص:8)، ضربًا عرض الحائط بالآية القرآنية: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، قالوا في التقويم: إنّه جَعلُ الشيء ذا قوام، وقوام الشيء: ما يقوم به ويثبت، وتُصرِّح الآية الكريمة بأنَّ الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، ويذهب بعض أهل التفسير إلى أنَّ المقصود هنا القوام الجسدي، وإن كان اللفظ يحتمله، والراجح أنَّ المقصود هنا هو تعديل القوى الظاهرة والباطنة معًا، أي المادِّية والمعنويَّة، وللأسف الشديد، سقط في هذا الفخ العجيب حتى ممن يعتبرون أنفسهم مفكرين إسلاميِّين؛ إذ يرى أحدهم في إحدى حواراته مع بعض القنوات الإعلامية أن الإنسان أصله قرد وأن نظرية داروين لا تعارض القرآن الكريم، ويقول في هذا الشأن: “لا أرى تعارضًا في القول بأن الإنسان أصله قرد مع النص القرآني”!

لماذا لا نستفيد مما قامت به فرنسا بلد الحريات –كما يزعمون - في تعاملها مع كتاب “أطلس الخلق” للباحث الإسلامي التركي الجنسية المشهور هارون يحيى؛ فبعد أن تلقت وزارة التعليم الفرنسية مئات الاستفسارات حول الكتاب ذي الصبغة الإسلامية - والذي اعتبر في فرنسا بمثابة صاعقة وهجوم علمي على فرضية النشوء والارتقاء “الداروينية“، والتي تقوم عليها المناهج التعليمية والتربوية في العديد من دول العالم، باعتبارها حقيقة علمية مسلمًا بها - تم تس

المزيد


من موجبات العناية النقدية بالسيرة النبوية

يونيو 27th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , مقالات اسلامية ومواضيع محتارة, مقالات ومواضيع في السيرة النبوية

من موجبات العناية النقدية بالسيرة النبوية

د. عبدالرزاق مرزوكَ
مقالات للكاتب
تاريخ الإضافة: 15/06/2008 ميلادي - 10/6/1429 هجري
زيارة: 229     



تمـهيد:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد، فإنه لا يخفى فضلُ العناية بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم عامة، وتوقف السداد في مقال العبد وعمله وحاله على معرفة هديه المنيف وأحواله الشريفة؛ كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (وإذا كانت سعادةُ العبد في الدارين معلقةً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يَخْرُج به من عداد الجاهلين به؛ ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم)[1].
ولما كانت السيرة النبوية بهذا القدر الأعلى، والمحل الأسنى لزم تجديدُ الاحتفال بها على نمط نقدي؛ يستخرج منافعَها كافةً، لا سيما من جهاتٍ اندثر رسمُها في مؤلفات السيرة النبوية الحديثة أو كاد؛ مع أن إظهارَها وبناءَ التصنيف في هذا العلم الشريف عليها منقبةٌ له جليلة، ومذهب في صيانته غاية في السداد.
وبيان ذلك بأمرين؛ أسوقهما على جهة الاختصار حثًّا للباحثين على استثمارهما، واتخاذهما منطلقين لتجديد الاشتغال بعلم السيرة النبوية:
الأمر الأول: إبراز دلالة السيرة النبوية من جهة الاصطلاح؛ لأن مصطلح (سيرة) لم يصرف إليه من العناية والتبيين، واستخراج الحد ما يكفي، ويروي غليل الباحث ويشفي، مع أن غيره من المصطلحات التي ينمى معها إلى نسب واحد قد أصابها من ذلك حظ عريض تقييدًا وتحريرًا وتعليلا؛ كالحديث، والسنة، والأثر، وغيرها.
فمصطلح (السيرة) لم أجد أحدًا من أهل العلم المحدثين درسه، ولبث عنده؛ فبيَّن مخرجَه الدلالي، ومناسبتَه لما يُراد به عند الإطلاق، ووجوه تميزه وتفرده، والفروق بينه وبين ما يوهم اتحادَه معه من المصطلحات، مصيره -بالنظر إلى كل ذلك-: أيعد مصطلحًا ذا نسب معرفي خاص كسائر المصطلحات العلمية المستقلة؟…
وهذه المسائل لم يفت المتقدمين من أهل العلم ذكرُها وتقريرها؛ لكن على نحو من الإجمال يستدعي التفصيل، والتحرير، والإبراز، والإثارة؛ لا سيما وأن لمصطلح (السيرة) من الخصائص ما يرفعه إلى درجة التميز والاستقلال عن مصطلح (الحديث).
بل لا يزال كثير من خاصة طلبة العلم -فضلا عن عامتهم- يحسبون أن حد السيرة لا يشتمل على أكثر مما يشتمل عليه حد الحديث رواية ودراية، وأن غاية ما يميزه أن السيرة وصف لحياة النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله من الميلاد إلى الوفاة، وعد مناقبه وخصائصه.
وفي هذا من الغمط ما يسلب هذا العلم شطر حقيقته، ويعطل مقصده، فالذي يجمعه بعلم الحديث –من جهة الرواية- معلوم، لكن تعليق دلالته –من جهة الدراية– على التنويه بالشأن النبوي الأجلّ خاصة لا يتضمنه كل حديث، ولا صلة له بالتشريع إلا من هذا الوجه.
كما أن قصر تاريخ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكر فيه غمط أيضًا، ومن أدلته قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح عن ميسرة الفجر رضي الله عنه: (كنت نبيا وآدمُ بين الروح والجسد)[2].
الأمر الثاني: ما يلزم المشتغلَ بالسيرة النبوية من التحقيق صيانةً لمقام هذا العلم، وحذرًا من تضييع مقاصده، وأعظمها حفظ حقوق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذلك لا يقع بمجرد الذكر والإثارة؛ فهذا يجيده كل من حصَّل مصنفًا من مصنفات السيرة.
ومما ينبغي الوقوف عنده من هذا الوجه:
أ – أن السيرة النبوية لا تقل عن علم الحديث فيما استحق من العناية النقدية، وواكب التصنيف فيه من تمحيص الأسانيد صيانة للمرويات؛ فوصول كل منهما من مخرج واحد هو النقل، لذا فهما في لزوم اعتبار الإسناد والتشدد في اشتراط صحة المروي سواء.
ب – أن الغاية من تمييز صحيح الحديث من ضعيفه اتقاء الكذب على -النبي صلى الله عليه وسلم- حفظًا لمصدر التشريع؛ وما يعني الحديثَ من هذا الوجه يعني السيرةَ أيضًا؛ بل في تعلق موضوع علم السيرة بمقصد التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة خطورة أشد؛ لما يترتب عليه أحيانًا من الاستهانة بالسند تعلقًا بحال التعظيم الواردة في المتن، وهذا ديدن كثير ممن صنف في الفضائل النبوية، والخصائص، وأعلام النبوة .
فرب متساهلٍ جعل ذريعةً لتساهله كمالَ أهلية النبي صلى الله عليه وسلم للتكريم بكل فضيلة أو خارقة رويت في حقه؛ لما له عن

المزيد


التأمين الخارجي لدولة الإسلام

مايو 30th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , مقالات ومواضيع في السيرة النبوية

التأمين الخارجي لدولة الإسلام

د. إبراهيم العدوي
المصدر: كتاب “سيرة رسول الإسلام”
مقالات للكاتب
تاريخ الإضافة: 20/05/2008 ميلادي - 14/5/1429 هجري
زيارة: 87     



التأمين الخارجي لدولة الإسلام

 

بسم الله  الرحمن  الرحيم
{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ  تَعْلَمُونَ}  [التوبة: 41].

تعرض هذه الآية لغزوة تبوك، التي قام بها الرسول الكريم في شهر رجب من العام التاسع للهجرة، تأمينًا لمهد الإسلام الذي امتدت رقعته بعد فتح مكة في العام السابق مباشرة، وهو العام الثامن للهجرة، وصار هذا المهد يضم سائر أرجاء شبه الجزيرة العربية، وغدا بالتالي يجاور أخطر عدو للدولة الإسلامية من الخارج، وهي الدولة البيزنطية، التي عرفها المسلمون باسم “إمبراطورية الروم”؛ إذ كانت هذه الدولة صاحبة السيادة على بلاد الشام، وبخاصة على إمارة الغساسنة، التي قامت تقريبًا في المنطقة التي نعرفها اليوم بشرق الأردن وجنوب فلسطين، وكانت تنفذ سياسة الروم المعادية للدولة الإسلامية الوليدة؛ حيث قتل عاملها - وهو شرحبيل بن عمرو الغساني - أحد سفراء النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الحارث بن عمير الأزدي، الذي كان يحمل كتابًا من الرسول الكريم إلى “ملك الروم”، يدعوه فيه إلى الإسلام، وكان ذلك في العام السادس للهجرة بعد صلح الحديبية.

وأوضحت هذه الحادثة المنكرة للرسول الكريم أن مقر الخطر الخارجي على مهد الإسلام يكمن في الشمال؛ حيث دولة الروم وعملاؤها الغساسنة؛ حيث لم يُقتل من سفراء رسول الله الذين بعث بهم إلى كافة ملوك ورؤساء العالم إذ ذاك غير هذا السفير الذي قتله عامل الغساسنة من قبل الروم، ومن ثم بات الموقف يتطلب الردع من جانب الرسول الكريم، حيث أعد حملة اتجهت إلى “مؤتة” بالبلقاء من الشام، وذلك في جمادي الأولى من السنة الثامنة للهجرة، أي قبل فتح مكة، مما يؤكد إدراك الرسول الكريم خطورة الروم ومن سار من التبعية لهم من القبائل العربية الضاربة فيما بين شمال الحجاز وجنوب بلاد الشام.
وتأكد للرسول الكريم خطورة الروم؛ حيث تدخلوا في معركة مؤتة التي استشهد فيها قادة تلك الحملة الثلاثة، الذين عينهم النبي لجيشه المقاتل.

وبدأ الاستعداد لتأمين مهد الإسلام بعد فتح مكة؛ حيث أخذ الرسول الكريم يعبئ قوى المسلمين لضرب الروم، الذين جعلوا من مدينة “تبوك” الواقعة في المنطقة الممتدة من شمال الحجاز إلى بلاد الشام مركزًا لمقاومة التوسع الإسلامي، وحشد القوات من القبائل العربية التابعة لهم لمواجهة هذا التوسع.
وكانت تبوك ذات موقع استراتيجي مهم؛ حيث يتم عندها التقاء الطرق التجارية التي تجري جنوبًا نحو الحجاز، وشمالاً نحو الشام، وغربًا إلى مصر عن طريق شبه جزيرة سيناء.

وكان لا بد من حسم السيادة على تبوك، وإخراجها من دائرة النفوذ البيزنطي والتابعين له من القبائل العربية، وبسرعة لا تقبل الإبطاء أو التراخي، بخاصة وأن الروم عهدوا إلى نشر الأراجيف بعد فتح مكة؛ تثبيطًا للهِمَم، وإعدادًا لتنفيذ نواياهم العدوانية ضد المسلمين.
وترامت إلى الرسول الكريم في المدينة المنورة أنباء تلك التحركات التي قام بها الروم، وبخاصة اتخاذ “تبوك” مقرًّا لنشر

المزيد


محاضرة في الدفاع عن الرسول

مايو 30th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الإسلام وحملات الإساءة‏, مقالات علي هامش الاستغراب, مقالات فكرية مختارة يوميا من جميع الجرائد, مقالات ومواضيع في السيرة النبوية

محاضرة في الدفاع عن الرسول

د. محمد أبو زيد
تاريخ الإضافة: 18/05/2008 ميلادي - 12/5/1429 هجري
زيارة: 118     



محاضرة في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أفتتح هذه المحاضرة بأبيات للشاعر أحمد محرم:

لا اليومُ يومُك إذ ولدتَ ولا الغدُ        يا  ليت  أنك   كل   يوم   تولدُ
عاد الظلام كما  عهدت  وهذه        دنيا   الجهالة   والأذى   تتجددُ
ما  ذاق  مهلِكَه  أبو  جهل  ولا        أودى  أبو  لهب  وربك   يشهدُ
في  كل   أرض   منهما   متجبر        يأبى    الرشاد    وظالم    يتمردُ
أسفي على الإسلام  هان  عرينه        وعدا  عليه   الفاتك   المستأسدُ
ما أوجع الذكرى ويا لك  لوعة        في   قلب   كل   موحد   تتوقدُ
رب  اتخذ   للمسلمين   سبيلهم        فإليك  مرجعهم  وأنت  المقصدُ

في 12 من ربيع الأول ولدت أعظمُ شخصية عرفها الكون، فقد قال الفيلسوف تولستوي: لو كان محمد حيًّا لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجان قهوة. وقد صنفه مايكل هارت بأنه أعظم شخصية عرفها التاريخ من حيث التأثير منذ أن أوجد الله سبحانه هذا الكوكب. هذا ما قالوه. وقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر”.

- وإن هذا العظمة موجودة بوضوح في رسالته صلى الله عليه وسلم من حيث شمولها، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 157].
- ومن خلال النظر للبشرية على أنها أسرة واحدة من أب وأم وأبناء قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
إن ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم ميلاد لحرية الإنسان كل الإنسان، فها هو ذا الصحابي ربعي بن عامر يقول لرستم قبل المعركة مع الفرس: “الله جاء بنا، وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سَعَتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”.
لقد كان إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم البعثة الإلهية الأخيرة لهذا الكون، فقد أزف الرحيل.
إن الإسلام جاء ليستوعب البشرية في هدايته، فقد جاء الإسلام لاستيعاب البشرية جمعاء ليعيش الجميع بعدل وسلام، ويتجلى هذا في اعترافه بباقي الأديان، فنحن نؤمن بعيسى عليه السلام وكذلك بموسى عليه السلام وباقي الرسل؛ قال تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136].
فنحترم كل الأنبياء، ونستوعب أهل كل دين، ونضمن له حرية الاعتقاد.
محبة الرسول صلى الله عليه وسلم:
محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول الدين، بل إن إيمان العبد متوقف على وجود هذه المحبة، فلا يدخل المسلم في عِداد المؤمنين الناجين حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحبَّ إليه من نفسه التي بين جنبيه ومن ولده ووالده والناس أجمعين، قال عز وجل: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]. وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).
وهذه المحبة وإن كانت عملا قلبيا، إلا أن آثارها ودلائلها لا بد أن تظهر على جوارح الإنسان، وفي سلوكه وأفعاله، فالمحبة لها مظاهر وشواهد تميز المحب الصادق من المدعي الكاذب، وتميز من سلك مسلكا صحيحا ممن سلك مسالك منحرفة في التعبير عن هذه المحبة.
وأول هذه الشواهد والدلائل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه، وبدون هذه الموافقة يصير الحب دعوى كاذبة، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31-32]، قال الحسن البصري رحمه الله: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية.
ومن دلائل محبته صلى الله عليه وسلم تعظيمه وتوقيره والأدب معه، بما يقتضيه مقام النبوة والرسالة من كمال الأدب وتمام التوقير، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8-9] . فالتسبيح لله عز وجل، والتعزير والتوقير للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو بمعنى التعظيم.
وإنه لجدير بهذه المحبة:
فقد حاز رسولنا صلى الله عليه وسلم من الصفات والأخلاق ما يجعله سيد هذا المقام المحمود، ألم يكف أن الله شهد له بعظيم الأخلاق فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]. ولو تأملنا سيرته صلى الله عليه وسلم لرأينا هذه العظمة متجلية في كل ما يصدر عنه.
فقبل الإسلام اختارته خديجة رضي الله عنها لأخلاقه ووهبته فتاها زيد بن حارثة.
ومن عظيم أخلاقه ما رواه مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “مَا ضَرَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيء قطّ فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم”[1]
ما غدر رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، ما أخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعداً قط، ما انتقم رسول الله لنفسه قط، فهل هذه شخصية عنيفة مخيفة إرهابية كما يصورها الغرب.
كم كان عظيما صلى الله عليه وسلم في عفوه عن أعدائه.. يدخل الصحابة مكة فاتحين فيقول بعضهم: “اليوم يوم الملحمة، يوم يذل الله قريشا”. فيرفع النبي صلى الله عليه وسلم صوته ويقول: “اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز الله قريشا”، ويقف أمام قريش ويقول لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء” .
وتختصر لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول فيما صح عنها: “كان خلقه القرآن”.
معاملة الأسرى:
عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ. فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ. فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ. فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَض إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”. فراسل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له ما أصابهم من جوع وفاقة بسبب حصاره فأمره أن يرسل لهم المؤن التي كان يرسل.
وهذا أسير آخر وهو أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير، قال: كنت في الأسرى يوم بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استوصوا بالأسارى خيرًا. وكنت مع رهط من الأنصار حين قفلوا فكانوا إذا قدموا طعاماً خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما يقع في يد رجل منهم كِسْرة إلا نفحني بها، قال فأستحي فأردها على أحدهم،فيردها عليَّ ما يمسها. رواه الطبراني في الصغير والكبير وإسناده حسن.
فهل هذا دين مخيف، هل سرقوا ساعته وماله وجاؤوا بأمه وأبيه وزوجته واغتصبوهم أمامه كما يفعل مدعو الحضارة اليوم ومن لف لفهم؟!!
وعلمنا العطف على الصغار:
والقصة عن الحسن والحسين رضي الله عنهما.
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال: صدق الله: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}، إني نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.
وأوصى بالجار:
فعن عائشة -رضي اللَّه عنها- أن رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: ((ما زال جبريل يُوصيِني بالجار، حتى ظننتُ أنه سيُوَّرِّثُه)).
بل وصل الحد إلى أن ينفي الإيمان عمن يؤذي جاره، فقال صلى الله عليه وسلم: ((واللهِ لا يُؤْمِن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمَن جارُه بَوائِقَهُ)).  
وإذا كان هذا حال المؤمن فلماذا تزييف الحقائق وتخويف الناس من الإسلام وأهله؟
بل نرى الأخلاق والإحسان حتى مع الحيوانات: 
فقد سئل صلى الله عليه وسلم: ألنا في البهائم أجر؟ قال: في كل كبد رطبة أجر.
ولقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في معاملة الخادم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي أف قط، ولا قال لي لشيء لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا” (مسلم).
فهل هذا حال خادم يفعل كما يريد دون تعليق.. يبدو لي أنه سيد البيت، لو عرّفنا رب البيت لكان هذا هو تعريفه كما هو حال هذا الخادم؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ: كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ: كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ”. يقول أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ:إِنْ كَانَت الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ” (البخاري). فِي رِوَايَة أَحْمَد: فَتَنْطَلِق بِهِ فِي حَاجَتهَا. ولأحمد أيضا: إِنْ كَانَتْ الْوَلِيدَة مِنْ وَلَائِد أَهْل الْمَدِينَة.
فما أجملَ الإسلامَ، وما أروعه من دين، وما أحسن أخلاق رسولنا صلى الله عليه وسلم، وقد أحسن حسان شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: 

وأحسن منك لم تر قط عيني        وخير  منك  لم  تلد  النساء
خلقت مبرءًا من كل  عيب        كأنك قد خلقت كما تشاء

لماذا هذه الهجمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ليس ذلك مقصودًا بنفسه؛ قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 33-34].
وإنما المقصود هو الإسلام:
في افتتاحية عدد 22 من أيار عام 1952م من جريدة “كيزيل أوزباخستان” الجريدة اليومية للحزب الشيوعي الأوزباخستاني يقول المحرر:
من المستحيل تثبيت الشيوعية قبل سحق الإسلام نهائياً[2].
وفي تصريح للسفاح الشهير بيجن، يوضح رسالة دولة إسرائيل وهدفها؛ قال: “مهمتنا سحق الحضارة الإسلامية، وإحلال الحضارة العبرية محلها. والمهمة شاقة”[3].
قال لورانس براون من قبل: “إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربى”[4].
ويقول غلادستون رئيس وزراء بريطانيا سابقاً:
ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربة السيطرة على الشرق[5].
ويقول الحاكم الفرنسي في الجزائر في ذكرى مر

المزيد


إنه عمرو بن العاص يا عكاشة

أبريل 24th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الإسلام وحملات الإساءة‏, مقالات ومواضيع في السيرة النبوية

إنه عمرو بن العاص يا عكاشة
د. سعد بن عبدالعزيز الراشد

 

 

 

يبدو أننا دخلنا مرحلة الانفلات الإعلامي، سلوكاً وأدباً وفكراً وأخلاقاً. قنوات تبث غثاء وغوغائية، وإذاعات تردح بسقط الكلام، ومجلات جميلة المنظر فاسدة المخبر. حاولنا قبل سنوات معدودة،

منع كل شيء جديد في البث الفضائي، وفي قبول تقنيات التواصل العصرية، أملا في المحافظة على المبادئ والأخلاق والقيم، وفجأة فتحت الأبواب على مصاريعها فانبجست منها ينابيع الفساد والإفساد، والحقد والكراهية على أخلاقيات ومبادئ الدين والثقافة الأصيلة. وللأسف أننا لم ننتبه أو فلنقل، بملء الفم، أهملنا في وضع إطار وآلية موزونة للتعامل مع مستجدات العصر بعقلانية وحكمة، ولم نهيئ المجتمع للتغيرات المتوقعة، وذهبت اجتهادات مسؤولي الإعلام في عالمنا العربي والإسلامي أدراج الرياح، فلم تعد التلفزيونات الحكومية قادرة على ملء الفراغ، خلافاً أنها لا تستطيع المنافسة مع القنوات الفضائية التي تدار بأموال سعودية وعربية أو يمولها وسطاء، وجهات منها المعروف ومنها المجهول. ولا أعتقد أن أحدا من العقلاء ينكر أهمية الإعلام في توصيل المنتج الفكري عبر بوابة عالم المسرح، والسينما، ومن خلال برامج الحوارات الفكرية والمؤتمرات والندوات المتخصصة، ولا أعتقد أن أحدا من العقلاء ينكر أهمية الدور الطليعي لشباب الأمة، ولا أحد من العقلاء ينكر أهمية الدور الذي تؤديه المرأة العربية لتشارك الرجل مسؤولية خدمة المجتمع والأمة، ولكن مع الأسف ضاعت الطاسة، وأصبح من كنا نعتقد أنهم أصحاب فكر وتنوير، يأخذون من الموروث العلمي والثقافي والتاريخي العريق، ما يساعدهم للرفع من مكانة العرب والمسلمين في الماضي والحاضر، ولكن للأسف نجدهم على النقيض، فقد أصبحوا وسيلة هدم، هدفهم البحث عن المجد والشهرة على حساب الدين والإرث الحضاري لأمتنا، فبلغ بهم حد الإسفاف في التطاول على رموز الإسلام وبناة حضارة العرب والمسلمين.

فهذا أسامة أنور عكاشة، يقدح عامدا متعمدا في الصحابي الجليل عمرو بن العاص فاتح مصر وواليها من عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وحتى وفاته على أرض مصر في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان. بالله كيف يجرؤ هذا الذي يزعم أنه كاتب ومفكر أن يصف (عمرو بن العاص) أنه (أحقر شخصية في الإسلام) وأنه (أفاق)!!

يا عكاشة لست أنت الملوم ولكن اللوم يقع على من منحك مساحة للبروز عبر القنوات الفضائية لتنفث هذا الهراء على الملأ ولا تجد من يردعك معتقدا أن مبدأ حرية الرأي سيحميك، واللوم يقع على المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة، في دول الخليج على وجه التحديد، التي تتنافس على شراء المسلسلات التي تتضمن إساءة وتشويها لتراث العرب والمسلمين والحط من الرموز التاريخية. وللأسف هناك من أمثال (عكاشة) من تطاول كذلك على أبناء وطننا (السعوديين) بوصفهم أنهم (عنصريون متنطعون يقتاتون على الثقة الصحراوية) كما أنه ويا للأسف تطل علينا القنوات الفضائية بوجوه رجالية ونسائية، جعلوا من أنفسهم حماة للمرأة العربية المسلمة، تحت مسمى الحرية والحقوق، ومنهم من جعل من دول الخليج منبع تصدير الفكر الوهابي. فقد وصفوا من عاش وعمل في دول الخليج، أنهم عادوا إلى ب

المزيد


اتساع الدولة الإسلامية على عهد الرسول الكريم

أبريل 22nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , مقالات ومواضيع في السيرة النبوية

د. إبراهيم العدوي
المصدر: سيرة رسول الإسلام في التفسير التاريخي لآيات القرآن الكريم
مقالات للكاتب
اتساع الدولة الإسلامية على عهد الرسول الكريم
انهيار السدود الوثنية أمام الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 25 – 26].
تتناول هذه الآيات الكريمة من سورة التوبة يوم حنين وما حفل من وقائع وأحداث جسام، انتهت بانهيار السدود الوثنية أمام الإسلام، وهو الأمر الذي أكسب انتصار المسلمين في غزوة حنين ميزات على غيرها من الانتصارات السابقة عليها.

ذلك أن وقائع غزوة حنين جاءت بعد خمسة عشر يومًا من فتح مكة، الذي حدث لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، وهو الفتح الذي جاء فتحًا مبينًا؛ حيث أزال دولة الوثنية من مكة، وحطم الرسول الكريم الأصنام بالكعبة، واتسع نطاق الدولة الإسلامية التي أقامها الرسول الكريم بالمدينة المنورة لتضم مكة أهم مدن الحجاز.
وكان فتح مكة قد أفزع المشركين من أتباع الوثنية، وعمدوا إلى تكوين حلف قبلي منهم، يكون قادرًا على إفساد هذا النصر الذي ناله المسلمون بالقضاء على رأس الوثنية في مكة، وتشكيل سدود مانعة تحول بين الإسلام والانتشار من معقله الجديد في مكة، حيث أخذت سائر القبائل العربية تتطلع إلى الدين الإسلامي الحنيف، وتفهم تعاليمه وأهدافه السامية بعد أن استسلمت رأس المقاومة، وهي قبيلة قرش.

وكانت قبيلة هوازن النازلة آنذاك في جنوب شرق مكة أول من أحس خطورة فتح مكة على كيان الوثنية، وتولى زعيمها مالك بن عوف النصري الدعوة إلى عقد تحالف وثني يقف أمام المسلمين في مكة.
ويشرح ابن هشام في "سيرة النبي" خطوات هذا الحلف الوثني قائلاً: "ولما سمعت هوازن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما فتح الله عليه من مكة - جمعها مالك بن عوف النصري، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال"، وهو حشد قبلي وثني خطير.

وبادر مالك بن عوف النصري الاستعداد للحرب؛ جريًا على النظام القبلي التقليدي؛ حيث بعث عيونًا من رجاله لاستطلاع المسلمين في مكة.
وقد حمله تقرير عيونه على الاستمرار في الاستعداد للحرب؛ حتى لا تضعف روح رجاله المعنوية، ذلك أن عيونه قد أتوا إليه - كما ذكر ابن هشام - وقد تفرقت أوصالهم؛ فقال: "ويلكم! ما شأنكم؟! فقالوا: ((رأينا رجالاً بيضًا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى".

وجمع مالك بن عوف النصري قواته في "أوطاس" - وهو وادٍ في ديار هوازن - وعقد مجلسًا حربيًّا للتشاور مع قادة رجاله، وكانت تعبئة هذا الحلف الوثني تجري على النظام القبلي البائد، القائم على اصطحاب الجيش للنساء والأموال؛ استثارةً لحمية المقاتلين وحملهم على الاستماتة في القتال دفاعًا عن نسائهم وأموالهم، وانتقد أحد قادة هذا التحال

المزيد


هدايا يومية-324-كتب للتحميل

مارس 21st, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , مقالات د.منير محمد الغضبان-, مقالات ومواضيع في السيرة النبوية, هدايا يومية من جميع انواع الكتب-للتحميل!!!

1368 -منير محمد غضبان– فقه السيرة النبوية

بيانات الكتاب:

عنوان الكتاب:

     فقه السيرة النبوية

اسم المؤلف:

     منير محمد غضبان

المزيد


التالي