القطيعة الإبستمولوجية في الفكر والحياة
المستقبل - السبت 11 تشرين الأول 2008 - العدد 3102 - ثقافة و فنون - صفحة 20
عمر كوش
يدرس هاشم صالح في هذا الكتاب مفهوم القطيعة الإبستمولوجية في الفكر، والكيفية التي تفضي إلى قطيعة سياسية وحياتية، وليس معرفية فقط، معتبراً أن مفهوم القطيعة الإبستمولوجية يحتل مكانة مركزية في ساحة الفكر المعاصر. وقد انتقل هذا المفهوم إلى المجال التداولي العربي واستخدمه بعض المثقفين والباحثين، ولكن من دون أن تجري حوله المناقشة الضرورية. ويعبّر عن خشيته من كون هذا المصطلح قد طُبق بشكل خاطئ أو متسرع. وعليه تزداد المشكلة المستمرة مع المصطلحات والمناهج الأوروبية، إذ غالباً ما يطاول التسرع أو التعسف ميدان التطبيق.
ويتمحور موضوع الكتاب حول فهم كيفية تشكل هذا المصطلح في ساحة الفكر الأوروبي، ومحاولة التعرض له من مختلف جوانبه، وكما تجسد لدى كبار المفكرين الذين اهتموا به أو بلوروه. وعملية الفهم ليست بالأمر اليسير، إذ أن المصطلح نشأ في ساحة العلوم الدقيقة أولاً قبل أن ينتقل إلى ساحة العلوم الإنسانية. ثم استُخدم من أجل بلورة نظريات فلسفية ضخمة لا تزال تشغل الباحثين منذ أكثر من نصف قرن. نذكر من بينها نظرية فوكو في كتابه “الكلمات والأشياء”، أو نظرية ألتوسير عن ماركس الشاب وماركس الناضج، أو نظرية عالم الرياضيات رينيه توم عن “الكوارث”، أو نظرية توماس كهن عن الباراديغمات أو الثورات العلمية. وهي جميعها نظريات قائمة على مفهوم واحد هو مفهوم القطيعة الإبستمولوجية.
وتعتبر المصطلحات العلمية ركائز أساسية لا يمكن للفكر أن يتقدم ويتطور من دونها. ومعلوم أن كبار المفكرين هم وحدهم القادرون علي بلورة مصطلحات خاصة بهم دون غيرهم. ثم يجيء الآخرون ويستخدمونها على إثرهم. ولا يوجد فكر بدون مصطلحات أو ركائز وأعمدة يعتمد عليها لكي يبلور تصوراته وتفسيراته للواقع والتاريخ وكلية الوجود. فمثلا نيتشه اشتهر بمصطلحات معينة، وفرويد بمصطلحات أخرى، والأمر ذاته ينطبق على هيغل وكانط وماركس وديكارت وغاستون باشلار وميشيل فوكو وجيل دولوز وسارتر وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين.
وقد اشتهر فوكو بمصطلح “الإبستميه” الذي بنى عليه كتابه الشهير، “الكلمات والأشياء”، وهناك عدة ابيستمات حسب وجهة نظره، أو أنظمة فكرية، تعاقبت على الحضارة الغربية منذ قرون عديدة وحتى اليوم. فهناك نظام الفكر الخاص بالعصور الوسطى، وهو لاهوتي ديني، وهناك نظام الفكر الخاص بالعصر الكلاسيكي، وهو ديكارتي مثالي، ونظام الفكر الخاص بالعصور الحديثة، وهو كانطي أكثر تقدماً من كل ما سبق. وحين نقرأ نصا لطه حسين أو سواه من المحدثين العرب نفهم أنه ينتمي إلى الفضاء العقلي للعصور الحديثة. وبين العصور الوسطى والعصور الحديثة تكمن قطيعة الحداثة أو ما ندعوه بالقطيعة الإبستمولوجية.
ويبدأ المؤلف بعرض الثورات العلمية الأساسية التي غيرت نظرتنا إلى العالم والكون، وأولها ثورة كوبرنيكوس وغاليلو، ويتوقف عند المنظر الأكبر لهذه الثورة العلمية على المستوى الإبستمولوجي العميق، وهو رينيه ديكارت، ثم ينتقل إلى الثورة العلمية الثانية التي شهدها العلم الحديث على يد إسحاق نيوتن، والتنظير الفلسفي والإبستمولوجي لها المتمثل بالفلسفة الكانطية. وقد شكلت الحداثة الأوروبية قطيعة إبستمولوجية كبرى في تاريخ الفكر الإنساني بدءاً من غاليلو وديكارت وسبينوزا بخروجها جذرياً على المناخ العقلي القروسطي ويقيناته السائدة. فمنذ ذلك العصر راحت أوروبا تقود حركة أنسيّة متفائلة بالإنسان وبقدراته على العطاء والإبداع والتوصل، من دون أن يعني ذلك التمرد على الله من أجل الاهتمام بالإنسان فقط، فالأنسية النهضوية مؤمنة، لا إلحادية، وما اهتمامها بالإنسان إلا لأنه أعظم مخلوق خلقه الله وزوّده بالعقل، على الضد مع إيمان القرون الوسطى التسليمي الاتكالي المشكك بقدرات الانسان وبقيمته. وعلى أساس هذا التصوّر الفلسفي النهضوي اكتشف معنى جديد للحياة، فأصبحت قيّمة بحد ذاتها، ما شكّل الانقلاب المعنوي الأساسي الفعلي لعصر النهضة.
ويعود سبب فشل عصر النهضة العربية وما تلاه يعود إلى عدم التمكن من ت













