الآلهة الجُدُد وخراب العالم
المستقبل - الاثنين 18 شباط 2008 - العدد 2879 - ثقافة و فنون - صفحة 20




علي حرب
هذا كتاب يتناول قضايا الساعة، بقدر ما يضم سلسلة من المحاضرات ألقيت في ندوات فكرية، أو مجموعة من المقالات هي قراءات في مجريات الأحداث العالمية.
والقضايا التي يدور عليها عديدة، من حوار المذاهب الى حروب الطوائف، ومن الحريات الفردية الى قضية العيش معاً، ومن حرب تموز في لبنان الى المعركة الكلامية حول أقوال البابا بشأن الإسلام، وهو يدور، أخيراً بل أولاً، حول أسئلة القيم والمصائر كما حول أزمة العالم المعاصر.
هذه القضايا لا تعالج بعقل بارد ولا بغرض أكاديمي بحثي. فأنا ما كتبت يوماً بهذه الطريقة ولا لهذا الغرض. ما كتبته كان بمعظمه تأليفاً حراً لا يلتزم بقواعد المنهج الصارمة أو بقوالب النسق الضيّقة، بقدر ما يتصل اتصالاً وثيقاً وحياً بالأحداث الجارية والمعايشات الوجودية، أو بالتجارب المريرة والمحن الشخصية، كما هي حالنا مع مشكلاتنا وأزماتنا أو مع حروبنا وكوارثنا.
ولذا ما ألفته كان أقرب الى القراءة منه الى البحث عن الحقيقة. وأنا أستخدم القراءة بمعناها الأوسع، بما هي قراءة للنصوص والأحداث، خصوصاً بمعناها الأحدث، كاستراتيجية متعددة الرؤوس أو متداخلة المستويات، بقدر ما يتشابك فيها التفسير والتأويل، وبقدر ما يفضي التحليل والتفكيك الى التركيب وإعادة البناء، على سبيل الخرق والعبور، أو بمنطق الخلق والتحويل.
ولا يعني ذلك التساهل، في ما يخص حقل عملي، أي مقتضى الصناعة الفلسفية المفهومية. ذلك أن المفهوم الخارق هو قراءة فعالة لما يحدث، بقدر ما هو اعتراف بقوة الحقائق. ولذا فمن يفكر على وقع الأحداث، إنما يمارس حيويته لكي يكون على مستوى الحدث، فيشارك في صنعه بلغته، بقدر ما يراهن على ما يمكن أن يحدث. بهذا المعنى إن المفهوم القوي يغدو حدثاً فكرياً بقدر ما ينفتح على ممكانته، تماماً كما أن الحدث الفريد يغدو لغة مفهومية بقدر ما ينفتح على احتمالاته.
ولذا من التبسيط والضيق أو العسف اختزال العمل الفكري الى مجرد أطروحة أو نظرية أو الى مجرد نظام معرفي وتعليم مدرسي؛ إذ العمل الخارق يتيح لمن يتمرّس بقراءته، قراءة خصبة وفعالة، قدراً من الزحزحة أو الإحالة أو الخربطة أو الزعزعة، في بنية الدلالة ونظام القناعة، أو في نمط التفكير وطريقة الاستدلال، أو في جغرافيا المعنى وخريطة الفهم أو نمط العقل، مما يحمل من يشتغل به أو عليه الى إعادة بناء ذاته وتشكيل فكره. هذا هو برهان العمل الفلسفي، بل رهانه. إنه مفتاح للفهم ومصنع للإمكان.
قضايا راهنة
بالطبع ثمة إشكاليات ومقولات صيغت أو طرحت، في مؤلفاتي، كما هو شأن نهاية المثقف، أو نقد الحقيقة، أو الفكر الأصولي، أو المنطق التحويلي، أو العقل التداولي، أو الإنسان الأدنى؛ وكما هو شأن ثنائيات المفكر والمناضل، أو الثقافة والحضارة، أو المعنى واللامعنى، أو القراءة والحقيقة… ولكن ذلك لم يكن حصيلة لبحث أكاديمي نظري مجرد، وإنما كان ثمرة تأملات وخبرات تتراكم وتعتمل في أتون التجارب، بقدر ما كان ثمرة الانخراط في المناقشات الدائرة، عربياً وعالمياً، حول القضايا الراهنة التي تستأثر باهتمام الإنسان المعاصر، بصرف النظر عن انتماءاته المختلفة.
فمصطلح "الإنسان الأدنى" هو ثمرة التمرس النقدي تجاه الواقع البشري، كما شرعت فيه منذ ثلاثة عقود، على وقع الحرب التي اندلعت في لبنان بمآسيها وكوارثها وتداعياتها. وفيما كان الأكثرون، ممن يفكرون بعقل إيديولوجي مغلق، يتشبثون بمواقفهم ويتمترسون وراء أفكارهم، لرمي المسؤولية على المعسكر الآخر، فإن ما كان يحدث ويصدم، جعلني أرتد على ذاتي وفكري، وأخشى على نفسي من نفسي، لأقول بأن ما نتهم به الآخر، إنما يسكننا ويتغذى من منازعنا العنصرية أو الفاشية أو البربرية. من هنا كان القول إننا أقل معنى وقيمة وشأناً مما ندعي، من حيث علاقتنا بالحقيقة والعدالة والحرية أو بالعقل والإيمان والإنسان.
ومصطلح "نهاية المثقف"، هو قراءة في النهايات الفاشلة والمصائر البائسة للمشاريع والشعارات التي حملتها أو طرحتها النخب الثقافية، على اختلاف اتجاهاتها القومية واليسارية والعلمانية… من هنا كان التمييز بين المفكر والمناضل، أو بين المهنة والمهمة، لا لإلغاء دور المثقف، بل سعياً لصنع صورة جديدة أو صوغ دور جديد، تستعاد معه المصداقية والفاعلية.
ومصطلح "الأصولية" استُخدم في تفكيك الآليات الفكرية التي تجمع بين قوى ومذاهب مختلفة أو متعارضة من حيث الأطروحات الأيديولوجية والشعارات السياسية، ولكنها تتفق من حيث المنطق الضمني، كما يتجسد ذلك في عبادة الأصل وخرافة المماهاة وأحادية التفكير ونفي الوقائع واستراتيجية الإقصاء للآخر. من هذا المنطلق كان كلامي، لأول مرة، على أصولي ماركسي أو قومي هو الوجه الآخر للأصولي الإسلامي.
ومصطلح "المنطق التحويلي" كان حصيلة نقدي لثوابت التراث والحداثة معاً، على وقع التغيرات المفاجئة والتحولات الكاسحة التي تجعل أصحاب الدعوات ينقلبون على شعاراتهم وينتهكون قضاياهم، لكي يقيموا مع هوياتهم علاقات متحجرة، فقيرة، بائسة، كاريكاتورية، عدوانية، إرهابية. لأن الممكن، على النحو المجدي والبناء، هو إقامة علاقات مرنة، مفتوحة، متحركة، متحولة، على سبيل الإغناء والتوسيع أو التجديد والتحديث…
وثنائية "النص والحقيقة"، منشؤها التمرس بنقد مفهوم المطابقة وكسر منطق المماهاة، لتبيان الفجوة المزدوجة، أولاً بين منطوق النص وما يمكن أن يعنيه، كما هو مؤدى "نقد النص"، وذلك حيث القول هو دوماً غير ما يعنيه أو أقل أو أكثر؛ ثم بين المفهوم ومرجعه كما هو مؤدى "نقد الحقيقة" وذلك حيث المفهوم القوي والخارق، يشكل واقعة فيما هو يقرأ الوقائع، لكي يسهم في إحداث تغيير في مجرى الواقع، في جانب من جوانبه، على سبيل الزحزحة للقضايا والمشكلات، أو بخربطة خريطة القوى والعلاقات.
وأخيراً، فإن مصطلح "العقل التداولي"، هو حصيلة القراءة في التحولات التي أحدثتها ثورة المعلومات والاتصالات، بقدر ما كان محاولة لتبيان المأزق الذي يفضي إليه منطق الانفراد والاحتكار أو عقلية الهيمنة والصدام، في عصر الاعتماد المتبادل، وهو عصر تتشابك فيه المصالح والمصائر، على نحو يجعل الأضداد المتصارعة، تتواطأ ضد ما تدعو إليه.
ولا مراء أن هناك جانباً آخر لا أغفله، كما أفعل دوماً، وهو أن ما أؤلفه هو أيضاً ثمرة مواكبتي للمستجدات الفكرية والطفرات المعرفية، بقدر ما هو حصيلة كل ما قرأته من أعمال فكرية، قديمة أو حديثة، عربية أو غربية، سيما ما اتصل بالموجات الجديدة للحداثة، أياً كانت التسميات.
وليست المسألة، هنا أن نقوم بنفي أعمال نخشى منها على عقولنا وثقافتنا، فيما هي تشكل فتوحات عقلية وإمكانات فكرية؛ ولا هي بالطبع أن نتعلق بها كأصنام نظرية أو كأقانيم مقدسة تختم على العقول، كما يتعامل كثير من الحداثيين مع عناوين الحداثة وشعاراتها، لكي يشكلوا الوجه الآخر للدعاة التراثيين، من حيث عبادة الأفكار والعجز عن الخلق والابتكار.
ولكن المسألة هي كيف نقرأ: ثمة من يقرأ لكي يتماهى ويقلد أو لكي يتطابق ويطيق؛ وعندها سوف تكون الحصيلة، هشاشة الفكر، واستعادة الأعمال الفكرية على سبيل الاختزال والتبسيط أو الإفقار.
وهناك من يقرأ، بهوى وشغف، فيجتهد ويبتكر، أو يخلق ويخرق، لكي يغيّر ويؤثر، أو لكي يبني ويركب. بهذا المعنى نحن لا نقبض على واقع، بل نخلق وقائع حول العالم، تضاف الى سجل التجارب والحقائق، وعلى نحو تتغير معه التركيبة الوجودية بقدر تتغير علاقاتنا بالأفكار والذوات والأشياء والأسماء. وهذا هو محك الجدة والجدارة والمشروعية: أن يترك الفاعل أثره وسط المشهد أو يتغير في مجرى اللعبة على صعيد من الصعد، سواء في حقل عمله، أو في بيئته ومجتمعه، أو على المستوى العالمي. وهكذا، فالقضية هي أن نحسن استثمار ما نقرأه، على سبيل التصنيع والتحويل، في أتون التجارب التي ننخرط فيها، أو عبر المشاريع التي نفكر في إنجازها، وبصورة تفضي الى إحداث تطوير أو تجديد ا لعدة الفكرية، بجانب من جوانبها، في الوجهة والرؤية، أو في المنطق والمفهوم، أو في النموذج والمنهج…
الموجة النقدية الجديدة
وهذا هو المهم في الموجة النقدية الجديدة: ليس التسميات والأطروحات أو الإعلانات والبيانات، وإنما الإمكانات التي تفتحها للفهم والتشخيص أو لإعادة البناء والتركيب. والأهم أنها تسهم في بناء قناعة قوامها التواضع الوجودي والتقى الفكري، في ما يخص علاقة الواحد بما يتصوره ويدعيه، أو بما يعتقده ويطرحه، أو بما يقرأه ويتلقاه ويتداوله.
ومؤدى هذا الموقف أن نمارس الحيطة والتنبه والحذر تجاه ما يحدث، خصوصاً تجاه ما نصنع، كي لا نمارس التمويه والخداع والتلاعب، أو نكون ضحية ذلك. ومن هذا شأنه لا يُؤخذ بالأشياء كما تعطى له، ولا يطمئن الى الخطابات في ما تطرحه، ولا يصدق الدعوات في ما تدعيه أو تعد به، سيما من جانب الزعماء التاريخيين والقادة الملهمين والأبطال الأسطوريين…
والتمرس بالتواضع والتقى، على هذا المعنى يحملنا، بنوع أخص على أن لا نثق بالإنسان، كما يفهم واقعه أو يعرّف بنفسه أو كما يعلن عن مقاصده. والعلة في ذلك أن اللغة مخاتلة والنصوص مبطنة والمعاني متعددة والمفاهيم ملتبسة والنظريات مخرومة، بقدر ما هي الأحداث ملتبسة والحقائق مزدوجة والقيم هشة والهويات مترددة متوترة، خصوصاً لأن الإرادة ملغمة والعقول مفخخة، حتى وإن اتصلت بقيم الحق والخير والعدل والتحرر والتقدم… والأحرى القول هي كذلك من جراء هذا الاتصال الذي يجعل الدعوات والمشاريع، تنسج، بوعي أو بغير وعي، من مفردات الأحادية والاحتكار والوصاية والمصادرة والهيمنة والإلغاء، كما يتجلى ذلك بشكل خاص على يد الآلهة والأنبياء الجدد، الذين يجتمعون على خراب العالم، محافظين وثوريين، أو إسلاميين وإنجيليين.
هذه هي القضية: أن لا نموّه المشكلات أو نهرب من مواجهتها، لأن مشكلة الإنسان هي مع نفسه بالدرجة الأولى. وهذا هو معنى النقد الوجودي، بما هو محاولة لفهم ما نحن عليه، أي لما نطمسه ونحجبه، أو لما نجهله ونتناساه، أو لما نتورط فيه ونتواطأ ضده، أو لما نولده من المفارقات والتناقضات، أو لما نرتكبه من الفضائح أو نحصده من الكوارث. ولهذا فقدر الإنسان أن يواجه دواً نفسه، لمحاربة الطاغية أو الفسد أو المخرب أو العنصري أو البربري، أو سبيل التمرس بالنقد، لكسر إرادة التأله والتحكم والهيمنة والإلغاء أو الاستئصال.
على هذا النحو أقرأ، بعيني النقدية التفكيكية، علاقتي بمفردات وجودي، بحيث أرى الوجه الآخر، أو الجانب المستبعد، أو الطور المنسي، أو المستوى التحتي، أو البعد غير المرئي، أحياناً من فرط الوضوح، لما يقدم نفسه على أنه طبيعي أو بديهي أو خالص أو محض أو أحادي أو متعال أو معقول أو مشروع… أي أرى إليه على خلاف ذلك أو على الضد من ذلك…
فالتحليل قد يكشف أن ما نحسبه من طبائع الأمور هو نتاج ثقافي مصنوع؛ وما نظنه بداهة قد يكون مجرد معتقد أو فرض لا برهان عليه؛ وما نخاله معقولاً قد يتكشف عن أغرب أنواع اللامعقول؛ وما نعده مشروعاً قد يخفي إرادة التسلط والاستبداد؛ وما نعتقده أحادياً قد يبدو عند تفكيكه محل ازدواج ونزاع بين عناصره وقواه؛ وما يبدو منطقياً قد يكون ثمرة المهارة أو القدرة على حجب التناقضات وطمس المتعارضات؛ كذلك ما نحسبه شراً قد يكون نابعاً بالذات من مفهومنا للخير؛ كما أن ما نعتبره بربرية قد يكون حصاداً لمنظومتنا الثقافية ونماذجنا الإنسانية ومشاريعنا الحضارية.
وكل ذلك يعني بأننا أبعد ما يكون عما ندعيه من امتلاك القبض والتيقن أو التحكم، سواء في ما يتعلق بذواتنا وخطاباتنا، أو بأشيائنا وأدواتنا. من هنا فما ندعي رفضه أو نشن الحرب عليه، قد يخترقنا ويصنع صورتنا من حيث لا نحتسب، كما هي علاقة الأضداد والأنداد.
هذا شأن من يدعي امتلاك الحقيقة، إنه لا يمارس سوى الحجب والإقصاء. وبالعكس، هذه حال من يدعي تفكيك إرادة الحقيقة أو نظامها؛ إنه يخفي بالذات إرادة القبض عليها، كما هي حال نيتشه الذي يدهشنا بتفكيكاته الخارقة والمرعبة لنظام الحقيقة، ولكن لكي يقع في فخها، بقدر ما تصرف بوصفه معلم الحقيقة أو حارسها، وكما هي حال الفلاسفة عموماً.
وهذا أيضاً شأن من يمارس التقديس لمطلق من المطلقات، فهو لا يحسن سوى انتهاكه على أرض الواقع البشري المنسوج من الأهواء والمطامع أو من الوساوس والهواجس. هذه هي بنوع خاص حال من يقدس الحرية، لكي يستبد بها أو يقع ضحيتها، كما يشهد على أنفسهم عشاقها من منظّرين وحالمين وطوباويين.
كذلك هذه حال من يعتقد أنه يعشق الله أو يتحد به، أو يعبده ويسبح بحمده، أو يتلقى وحيه ويبلغ رسالته، أو يقاتل لإقامة حكمه على الأرض، فمآل اعتقاده أن يحل محل الله، أو يتخذه أداة لهواه، أو يحيله الى بعبع أو جلاد، كما هي تباعاً حال النماذج التي يجسدها الصوفي أو النبي أو الإرهابي.
ولعل هذه حال من يحارب، في هذا الزمن الكوكبي. إنه لا يحسن سوى الارتداد على أهدافه وطعن مبادئه لكي يقع في ورطته أو ينتج أزمته. من هنا كان القول يستحيل النصر في هذا العصر، بمعنى أن الحروب تفضي الى هزيمة جميع المنخرطين في الصراع، بقدر ما تولّد دماراً متبادلاً. وبالعكس، فقد يفضي الصراع الى نصر مشترك، بقدر ما يقود المتحاربين للتخلي عن منطق العداء لاعتماد منطق التسويات.
ومن المفارقات أن ما أريق من دماء، وما حدث من خراب، في حروب الأسماء والرموز والأفكار والهويات، حول ما هو قدسي وإلهي ومتعال وعظيم، أو حول ما يتصل بالحقيقة والعقيدة والعدالة والحرية والتقدم، إنما صنعه أصحاب الدعوات والمشاريع، بشعاراتهم الدينية القديمة أو بعناوينهم الإيديولوجية الحديثة، ولم يكن صنيعة المعطلة والزنادقة، ولا من انتهاك المارقين والخارجين، ولا حتى من ارتكاب المافيات العاصية، كما تطلق التسميات من جانب الأنظمة والدول والقوى المصنفة تحت خانة الشرعية. فيا لفضيحة أفكارنا ومشاريعنا.
هذا ما شهدت به الح
المزيد