بسم الله الرحمن الرحيم
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الملك سعود
كلية التربية
قسم الثقافة الإسلامية
إعداد
خالد بن محمد الشنيبر
العام الدراسي : 1426/1427
الفصل الثاني
مرحلة الدكتوراه
إن المشاهد لحركة العلوم عند الأمم يجد أن عندها مصدر يحترمونه ويرجعون إليه في اكتساب معارفهم، مثل الأدب واللغة وعلوم الشريعة.
إلا أن ما يعنينا في هذه الكتابة هو ما يتعلق بالنص الشرعي والموقف منه، حيث أضحى هذا الموقف من النص محل جدال بين تيارين: من يؤمن بأهمية تطبيق الإسلام عقيدة وشريعة، وبين من أصبح يجعل النص عائقا أما فضاء الفكر وحريته، وسباحته في فضاء العلم والمعرفة من غير أي قيد أو سلطة تكبله.
وإذا رجعنا لمعنى السلطة في معاجم اللغة نجد أن السلاطة هي القهر، والقوة، ومنه سمي السلطان[1]
وهذا المعنى للسلطة هو المراد من كلام الأوربيين عندما يتكلمون عن السلطة في مقابلة النصوص الدينية، حيث أنهم يرون أنها –أي النصوص الدينية- هي التي أدت إلى تأخر التقدم التقني الذي يعيش الغرب فيه اليوم وذلك بعد تخلصه من الوصاية الدينية.
“وفي الغرب، كانت التوجهات العلمانية هي السبيل الحقيقي لفتح باب التقدم، لأن تنحية الدين جانبا عن السياسة أولا، ثم عن الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، ثم عن الاجتماع، وأخيرا عن الحياة، تلك التنحية المتتالية تزامنت مع إطلاق قوى العقل الحر حتى يبدع أساليب ومناهج لاستهلاك واستغلال الأشياء تحقيقا لمبدأ اللذة. وبدون التوجه العلماني كان من الصعب إطلاق حرية العقل بعيدا عن الضمير”[2]
ولكن ما سبب هذه النظرة الغربية للنص الديني، وما الذي سببها؟
لقد كان التسلط الديني من قبل رجال الكنيسة الكاثوليك في العصور الوسطى له أثر كبير على الثورة على كل ما هو ديني، وذلك لنظرة الكنيسة أن كل ما يخالفها ليس إلا احتجاج على نصوص العقيدة الدينية.
وكان تشدد الكنيسة بمحاكم التفتيش يعني إصرارها على ثبات العقيدة على ما هي عليه، وإصرارها على التفسير الذي يعطيه الباباوات للنص الديني لكل مسألة تطرح. ولا شك أن هذا الموقف كان يعني عدم المرونة وعدم السماح للمسيحيين بالتفكير والنقد والمقارنة.[3]
وقد تزامن في هذا الوقت ظهور المخترعات العلمية في الحياة الأوروبية، وهو ما نتج عنه عصر النهضة الأوروبية، والذي أثمر عن عدد من الاختراعات والكشوف قابلته الكنيسة بالقتل والمصادمة.
لقد تميزت هذه الفترة من النهضة ببداية انقلاب على النص الديني والرغبة للوصول إلى الحقائق وتأصيل روح البحث العلمي حتى في النواحي الدينية وإخضاعها لمنطق العقل والنقد، والنظر إلى الحياة والكون نظرة جديدة دون التقيد بأي اعتبارات دينية.
وفي هذه الفترة الذي ضعفت فيها سلطة رجال الدين؛ ظهر الاهتمام بدراسة علم اللاهوت في الجامعات الأوروبية بأسلوب علماني الطابع[4]
وبذلك بدأت روح البحث والنقد الجديدة تقضي على الخرافات الذائعة، بل قادت إلى التهجم على الكنيسة ونقد رجال الدين، وطرح أفكارهم في كثير من الأحيان، ونتيجة لهذا التطور الفكري ذاع كثير من النظريات العلمية الجديدة، ككروية الأرض وغيرها من النظريات.[5]
لقد اعتقد العلمانيون وغيرهم أن الاستسلام للسلطة الكنسية، والتي كانت تظهر أمام كل فكر مخالف لها بأنه تعدي على النص المقدس، وهو ما يعد جريمة وردة، كان هذا سببا في اعتقاد البعض من أن التدين هو حاجز أما الفكر المستنير، وأن النصوص الدينية لا بد من حملها على ما يوافق النظرة المادية للحياة، والتي تصلح دنيا الناس، حتى لو أدى ذلك للتقليل من قيمة النص الديني، وأنه لا يمكن أن يستمر متسلطا على الفكر الحر والمنفتح في نفس الوقت.
ثم بعد الانفتاح الأدبي الأوروبي جاءت قضية سلطة النص الديني أو السياسي مقابلة برفض من الأدباء المحدثين.
كان الروائي السويسري “الألماني الأصل” هيرمان هيسه، يردد دائما أنه يرفض الامتثال بكل أشكاله : الديني، المذهبي، العقائدي، وكل سلطة أخرى تعيق فاعلية النص الروائي وتحبط دينامية سلطته، أو تفرض عليه القيام بوظائف مباشرة.
هذه النظرة إلى العمل الإبداعي، ربما تكون طبعت بطابعها سلوك معظم الكتاب الطليعيين في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد تكون أسهمت في التأسيس لتيارات أدبية وفكرية وفنية، تضع النص الأدبي في مستوى مواز لسلطة المؤسسة السياسية والدينية، وقبل كل شيء تحرير النص من كل ما يعيق حريته في الوصول إلى المتلقي[6].
ويحكي لنا رجل ممن يهاجم سلطة النص وهو الدكتور حسن حنفي؛ كيف بدأ وانتهى ما يسمى بالفكر التنويري حيث يقول: “بدأ الفكر الأوروبي يرفض كل معطى سابق بعد أن اكتشف زيف مثل هذه المعطيات وآثر جعل طريق معرفته الوحيد التجربة، رفض كل منهج قبلي وآثر النهج البعدي القابل للتحقيق، رفض كل معرفة إلهية وآمن بالمعرفة الإنسانية وحدها”[7]
وهكذا ظهر في العالم العربي بعض الشخصيات المتأثرة إما جزئيا أو تماما بالأفكار الأوروبية التي جعلت من النص الشرعي كغيره من النصوص التي تقبل الأخذ والرد ويمكن أن تستهدف بالنقد والتحليل، بجعله مادة لمعرفة نقدية عقلانية شأنه بذلك شأن أي خطاب بشري وأي إنتاج معرفي[8].
وهكذا أصبحت قضية سلطة النص الديني قضية تؤرق كثير ممن يؤمن بالمبدأ العلماني في البلاد العربية، حيث يرون في النص الديني عائقا أما التقدم، وإنتاج المعرفة العقلية التي يقف النص الديني أمامها، بحيث أصبحت –فيما يقول نصر أبو زيد- “مهمة العقل محصورة في توليد النصوص من نصوص سابقة”[9]، وجعل النص القرآني منتجا ثقافيا أنتجه واقع بشري تاريخي. وهذا الكلام من أبي زيد يعد جرأة بالغة كما يعبر عنه علي حرب[10]
إن قضية النص المقدس في رأي من انتهج منهج التفكير الغربي أصبحت معطلة لعمل العقل، ولا بد من إيجاد حل لها، لكن ليس بإلغاء النصوص، فهذا أمر لن يقبله الناس، ولكن يكون بطريقة مخادعة، وذلك بإعادة النظر في معاني النصوص[11].
يقول نصر أبو زيد: “إن الدعوة للتحرر من سلطة النصوص، ومن مرجعيتها الشاملة ليس إلا دعوة لإطلاق العقل الإنساني حرا…. إن هذه الدعوة لا تقوم على إلغاء الدين ولا تقوم على إلغاء نصوصه، لكنها تقوم على أساس فهم النصوص الدينية فهما علميا” [12]
وربما وصل الأمر إلى قضية البحث في النص القراني بنفس الأسلوب الذي يتم في تحليل أي نص تاريخي آخر، فـ”لكي تحلل وتدرس وضع الإسلام الراهن في مواجهة الحداثة بشكل صحيح، فإنه من الضروري أن نوسع من مجال التحري والبحث لكي يشمل، ليس فقط الفكر الإسلامي الكلاسيكي، وإنما القران نفسه أيضا. إن المهمة تبدو مرعبة لأسباب معروفة جيدا… لماذا! هي شئ لا بد منه، إذا ما أردنا أن نعالج بشكل دقيق المكان الذي أتيح للتاريخية أن تحتله من الإسلام”[13]
لقد مارس هؤلاء ممن يسمون بالحداثيين أو العلمانيين أو العقلانيين صورا عديدة في التعامل مع النص الديني وكونه مرجعا للمسلمين جميعا، حيث ما يزال البعض منهم يعطي نفسه الحق في الاجتهاد مع النص القرآني، ولهذا يتحدث عادل ظاهر عن خصومه من المسلمين في أن “هناك في نظرهم نصوصا ثابتة ثبوتا يقينيا لا يأتيه الشك مطلقا، وأن القواعد ولأحكام الشرعية التي تنطوي عليها هذه النصوص هي قواعد وأحكام مطلقة بسبب الثبوت اليقيني المطلق لهذه النصوص…فإن هذا ملزم لنا بحرفيته في نظرهم…فلا يجوز لنا أن نضعه موضع اجتهاد فنقول مثلا إن الظروف اليوم غير ما كانت عليه… الخطأ الفلسفي… يتعلق بمقدمتهم القائلة: إن هناك نصوصا ثابتة ثبوتا يقينيا لا شك فيه”[14]
المزيد