يا بَحرُ رَاضَكَ قَاهِرُ الصَّحراءِ د. حسن بن فهد الهويمل

أكتوبر 3rd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , د. حسن بن فهد الهويمل, غوستاف لوبون

يا بَحرُ رَاضَكَ قَاهِرُ الصَّحراءِ
د. حسن بن فهد الهويمل

 

تمر بي هذا اليوم ذكرى (اليوم الوطني) وأنا أنقب في رفوف مكتبتي، لعلي أبلغ الأسباب، أسباب نشوء الدول وسقوطها، في ظل أضغاث الأحلام (بنظام عالمي جديد) أو (بعولمة شاملة) تدمر كل شيء أنت عليه.

وكم جالت في الذاكرة مثل هذه الدراسات التي تتقصى سنن التداول والتدافع والدورة التاريخية، وأحسب أن أقواها علوقاً في الذهن كتاب (نشوء وسقوط الدول العظمى) ل(بول كيندي) -وتركيب العنوان لا يقبله النحاة لتفريقه بين المتضايفين- وكتب أخرى ذات نوازع دينية ك(أسباب هلاك الأمم) ل(عبدالله التليدي) أو ذات نوازع أخرى متعددة، ومن قبل هذه كلها (سد تطور الأمم) للعالم الفرنسي الشهير (غوستاف لوبون) ت 1931م الذي ترجم قبل تسعة عقود وفيما أنا ألوب الحقول المعرفية عثرت على القصة الكاملة للزيارة التاريخية التي قام بها الملك (عبدالعزيز) رحمه الله إلى مصر عام 1365ه - 1946م. وتذكرت معها القصيدة العصماء التي أبدعها المفكر العربي الكبير (عباس محمود العقاد ت 1964م) بهذه المناسبة، وإذ بالتداعيات تجلب إلى الذاكرة قوله:

أسد العرين يخوض غيل الماء

يا بحر راضك قاهر الصحراء

وإذ بي التقط العجز ليكون صدراً لمقالي عن تلك المناسبة الوطنية، المحببة إلى كل من نعم برغد العيش، واستظل بوارف الظلال، واغتبط بوافر العطاء، في وطن أعطى لأبنائه الكثير، ولم يظفر منهم إلا باليسير.

و(العقاد) بما وهبه الله من معارف وقدرات، لا تخطئ نظرته، ولا يخيب ظنه، لقد بهرته شخصية الملك عبدالعزيز، ووجد فيه ضالته، حين صحبه في رحلته إلى مصر، ضمن بعثة الشرف التي رافقته على ظهر اليخت الملكي (المحروسة)، وقصة الرحلة، وخلفياتها، ومقابلة الملك عبدالعزيز لأبرز شخصيتين عالميتين: (روزفلت) و(تشرشل) في مصر تحتاج إلى مزيد من الأحاديث المستفيضة، لتفكيك بنية الحدث الأهم في تلك المرحلة، وتجلية المنطويات، متى عُلم أنَّ العالم لما يزل يعيش مخاضات تلك الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

والعقاد من قبل مغرم بشخصيات العظماء، ولقد شد عضده في سبر أغوارهم واكتشاف مواهبهم وعوامل تألقهم (المذهب النفسي في النقد) الذي تبناه من قبله (لوبون) فكان أن أنشأ العبقريات التي شغلت الناس، وأثارت فضولهم، واضطربت فيها آراؤهم، وقصيدته ومقالاته التي كتبها في أجواء هذه المناسبة تنحو هذا المنحى التحليلي.

والعقاد ليس صحفياً تصرفه المناسبات، بل هو المفكر العميق التفكير، والمثقف الواسع الثقافة، والعالم الغزير المعرفة، والصريح الذي لا تأخذه بالحق لومة لائم، إنه شاهد على العصر، وموثق لأحداثه بصدق وأمانة وصراحة. ولعلنا ونحن نقرأ (اليوم الوطني) ونستشرف مستقبله أن نتذكر ما كنا قد قرأناه من قبل في كتاب (سر تطور الأمم) وبخاصة حديثه المستفيض عن (روح الأمة) وأثر هذه الروح في توجيه أعمالها، وترسيخ دعائمها.

والروح عند (غوستاف لوبون) بمثابة النسق الثقافي أو السمة الغالبة. ولست معنياً بترويض مبالغاته ولا باستدراك شطحاته فالذين ضبطوا النص المترجم ووضعوا الحواشي استدركوا ما يمكن استدراكه، وللمؤلف كتب أخرى عن تجليات الروح في الاجتماع والسياسة والاشتراكية، مثلما كتب عن (روح الشعوب) في كتابه هذا، والذي يعنينا في هذه المناسبة الوطنية تحسس هذه الروح في سياسة المؤسس، وأثرها في تشكل هذا الكيان وتجذره.

فقد يستبق القارئ أشياء قائمة بالفعل، كالشجاعة والكرم والحزم والقوة والعدل، ليقول بدون عناء أو تردد إن (روح الأمة) المتمثلة بقائدها تكمن في الكرم، أو في الشجاعة، أو في القوة، أو في العدل، مجتمعة أو متفرقة، متماثلة أو متفاوتة، متلازمة أو متتالية، وليس على أصحاب تلك الخيارات من بأس، غير أن صفة من هذه الصفات قد تطغى على كل ما سواها أو تسبقها، ثم تغني عن ذكرها، وتكون بمثابة (الروح)، وهذا ما عناه (غوستاف لوبون) ب(روح الأمة). والعقاد الذي استوعب فكر (لوبون) ومنهجه النفسي في عبقرياته، التقط (العدل) و(القوة) في شخصية (عمر بن الخطاب) و(العزم) و(الصدق) في شخصية (أبي بكر) وهذا لا يعني انعدام الصدق عند (عمر)، ولا يعني انعدام العدل عند (أبي بكر) وأحسب أن من حقي -والحالة تلك- التماس هذه الروح المستبدة في مرحلة التأسيس، وحصرها في خصلة متبدية للعيان تتمثل في (التسامح)، فالصفة المحورية حين تطغى على ما سواها تكون بمثابة الروح للأمة، ويقيني أن الذين ينقبون في مسيرة المؤسس يجدون هذه الروح بارزة كأنصع ما يكون البروز، ثابتة كأرسى ما يكون الثبات، غالبة كأقوى ما تكون الغلبة ومن ثم يحق لي أن أقول: إن (التسامح) يمكن أن تكون هي روح الأمة آنذاك، وهي الخليقة التي انطوى عليها الملك عبدالعزيز في معركتي التكوين والبناء.

وسيرته العطرة شاهد على ما أقول، فلقد استمرت معركة التكوين زهاء ثلاثة عقود، عرف فيها خصومه الذين قاوموه باللسان والسنان، وحين دال سلطانهم، أشرب في قلبه مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وقول الرسول: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) فقرّب الخصوم، وأقال عثرتهم، وصاهر بعضهم، واستوزر البعض وأعاد لهم مكانتهم في قومهم، وأثنى عليهم، ورد إليهم ما كان قد سلب منهم، مثلما امتثل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر ربه: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فلقد نادى (عثمان بن طلحة) وأعطاه مفتاح الكعبة، بوصفه سادناً للبيت، على الرغم من أن العباس بن عبدالمطلب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطنيه يا رسول الله. ليجمع بين السقاية والسدانة، في ظل الصراع القبلي المستمر بين الهاشميين والأمويين، هذه الخصلة الغالية جعلت الروح السائدة هي (التسامح).

وهي ال

المزيد


مَكْمن الجمال في القصيدة المعاصرة 3-3

سبتمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , د. حسن بن فهد الهويمل

مَكْمن الجمال في القصيدة المعاصرة 3-3
د. حسن بن فهد الهويمل

 

والجمال حين نسلم لمحققاته عند كل رؤية نقدية، يكون في القول كامناً في اللغة من حيث الجرس والإيقاع، وفي التخيل من حيث الصورة والتصور، ويكون في المعاني من حيث العمق والشرف، وأقوى محدداته الذائقة والانطباع،

المتشكلان من كثرة المساس، فما من ذوق إلا هو ناتج إلْفٍ وسماع واتفاق. والعقل الجمعي قد يسلم لمؤشر فكري أو صوتي أو بصري لا يكون قد سلم له عقل جمعي آخر يفصله عما سواه من عقول زمان أو مكان، وليس أدل على ذلك من استمرار التحول في الشكل والمضمون بطرائق معقولة للعالِمِين.

والناس في الجملة أبناء حاضرهم ومن تبنى للتاريخ فقد اعتزل حاضره، ومن ثم فلن نفرض على أنفسنا من الفنيات والضوابط ما فرضه الأوائل على أنفسهم، وليس من حقنا ممارسة القطيعة والانقطاع دون استجابة عفوية لهوى الأنفس. إن القبول والرفض لمؤشرات الجمال تقوم عندما يعي الإنسان مرحلته ومتطلباتها، وإذا كانت حاجتنا الحسية تتبدل يوماً بعد يوم فإن حاجتنا المعنوية أولى بهذا التبدل، والذين يرتهنون أنفسهم لما توصل إليه الأوائل ولا يبتدرون التغيير والتبديل لمواكبة العصر، يكونون في النهاية كهفيين، يعتزلون القوم، ويعتزلهم القوم.

ولعل أوسع من درس جماليات القصيدة المعاصرة صديقنا الدكتور (طه وادي) الأستاذ بكلية آداب القاهرة في كتاب يحمل ذات الاسم، إذ تقصى الجماليات بدراسة تطبيقية استوعبت عشرين فصلاً خص الشعر الخليجي بثلاثة فصول من الفصل السابع عشر، وخص الشعر العربي في المملكة العربية السعودية في فصلين هما الثامن عشر والتاسع عشر، تناول فيهما كتاب (شعراء من أرض عبقر). وهذا الكتاب مجموعة دراسات تطبيقية للشاعر الناقد الأستاذ الدكتور (محمد عيد الخطراوي). فيما تناول في الفصل التاسع عشر الشعر القصصي في ديوان (محمد حسن فقي)، وهو في الفصل السابع عشر قد تحدث عن شاعرية المكان، بحيث خص الجزيرة العربية بدراسة رصدية خلص فيها إلى أنها جزيرة شاعرة، لأنه مهد الشعر ومهبط الوحي. والدراسة بجملتها إشارات خاطفة لا تتسم بالعمق ولا بالتفكيك، ولكنها تضع نظر القارئ على مكامن الجمال من خلال الشواهد التي انتقاها بإتقان.

وحديثه عن الشاعر المكثر والمخضرم (محمد حسن فقي) اقتصر على ملمح شكلي، يتمثل بالشعر القصصي. ولقد كانت لي إلمامات متعددة حول هذا الاتجاه الجديد في الشعر، حيث عقدت فصلاً في دراستي للدكتوراه عن الفنون المستحدثة في الشعر السعودي المعاصر، تناولت فيها الشعر المسرحي والقصصي والملحمي بمفهومه المعاصر. وللشعر السعودي قدم صدق في هذه المهايع، وإن كان رواد هذا الاتجاه ينظرون إلى رواد المسرح الشعري في مصر، وبخاصة (أحمد شوقي) في مسرحياته الشعرية، والحركة الداخلية والوحدة الفنية المنطوية على عدة وحدات لغوية وفنية وموضوعية وعضوية وشعورية من المستجدات التي أكسبت القصيدة مزيداً من الجمال والتألق، وهي مستجدات اختلف حولها النقاد.

ودراسة (طه وادي) قد لا تستجيب لمتطلبات الدارس للجماليات بمفهومها الأعم، وإن تناول الجانب التنظيري بشيء من الإيجاز، وهو في دراسته التطبيقية التي أتت على عدد من الشعراء الشباب الأكثر مغامرة من أمثال (محمد عفيفي مطر) و(أمل دنقل) و(صلاح عبدالصبور) و(فتحي سعيد) و(ملك عبدالعزيز) و(نجيب سرور) وآخرين من حولهم لا يقلون عنهم في المغامرة المحفوفة بالمخاطر.

ونقص الدراسة أنها تناولت عدداً من الشعراء ولم تتناول عدداً من القصائد، والجمالية تكمن في القصائد لا في أعمال الشعراء بأسمائهم، إذ لا يمكن استحواذ أي شاعر على الجماليات المنشودة، فالقصيدة قد تستجيب لبعض مطالب الجمالية، فيما لا تستجيب قصائد أخرى لذات الشاعر لتلك المطالب، وهذا يمس العمل بالترهل وإضاعة فرصة التقصي لمكامن الجمال في الأعمال الشعرية.

وتناول الناقد لعنصر من عناصر التشكيل عند (محمد حسن فقي) لا يجلي الجمالية بكل أبعادها، ولكن الدراسة قد تكون مغرية لمزيد من التقصي لملامح الجمال. ولست أظن (الفقي) شاهد عدل لتحقيق الجماليات المنشودة، فشعره على الرغم من كثرته لم يكن مثيراً إلى الحد الذي يحمل على التماس الجماليات الحديثة، ولقد هيئت لي دراسة أع

المزيد


مكْمن الجمال في القصيدة المعاصرة 2-3

سبتمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , د. حسن بن فهد الهويمل

مكْمن الجمال في القصيدة المعاصرة 2-3
د. حسن بن فهد الهويمل

 

ولكل ناقد وجهته فيما تتحقق به الجمالية، وقبل المضي في التماس مكامن الجمالية، يجب أن ننظر في إشكالية الجمال من حيث هو مجرداً من مواقعه أو متلبساً بها: ما هو؟، وما آليات التماسه؟ وما محققاته؟، وما مدى النسبية فيه؟.

ومتى علمنا أن النسبية أكثر ما تكون في التذوق، فالمتلقي يمنح العمل الإبداعي قيمته الجمالية من خلال وجهة نظره المحكومة بالنسق الثقافي والبيئة بكل تنوعاتها ومستوياتها، والمرحلة العمرية بكل نوازعها والميل الشخصي بكل تفرده وأجواء اللحظة التي يتم فيها التذوق الجمالي.

وقد يكون من المستحيل في ظل هذه الفوارق أن يجمع النقد الأشتات على كلمة سواء، ثم لا يكون تحقق الجمال من خلال قواسم مشتركة أمراً متعذراً، وتنبؤ الاستحالة لا يمنع من المحاولة، معذرة إلى المشهد الصاخب، ولعل المنكفئين على أنفسهم يستمعون الرؤى، ويستوعبون مختلف التصورات، وقراءة القصيدة المحلية لغرض استجلاء جمالياتها، قد يضع الناقد في الحرج لأن المحلية لا تمتلك الامتياز بالقدر الكافي، إذ هي متفاعلة مع معطيات المشهد العام، محكومة بذوقه الأشمل.

والدراسة الحصرية زماناً ومكاناً ونوعاً إبداعياً تحكم الدارس، ولا يحكمها، لأنه يظل حبيس أجوائها ومعطياتها، ومع أنها تمثل المقطع الأدق للجس والسبر، إلا أنها ترتهن الدارس، وتحرمه لذة الاختيار المفتوح، والعقود الثلاثة الأخيرة في المشهد الأدبي المحلي حفلت بعدد كبير من الشعراء الشباب الذين استهلك التجريب والتغريب طائفة منهم، ولم يفرغوا للتأصيل بالقدر المأمول، وهي عقود غنية من حيث الكم والتنوع، ولكنها دون ذلك من حيث الكيف، وداء المشهد من الشعراء الأحداث المغامرين، وأدواء المشاهد كثيرة، لعل من أخطرها الخلطة التي لم تمكن من التمييز بين المجرب المقتدر والمستغرب المسترفد، وإذ نعيب التقليد ولا نفرق بينه وبين المحافظة المقتدرة، فإننا لا نسم المقلدين لتطرف الحداثة الغبية بما نسم به المحافظين أو المقلدين للتراث، وكان حقاً علينا أن نخدع بدعوى التجديد ما لم يكن مبادرة من عند أنفسنا واستجابة عفوية لمقتضيات المرحلة.

والتجديد الآخذ بمحققاته يعد من حتميات الحياة، إذ لا حياة سوية مع الثبوتية والنمطية، والتجديد بمفهومه السليم يتطلب إمكانيات متعددة تخلص المبدع من النمطية وعقدة الأبوية، وتأخذ بناصيته حيث لا يجنح إلى المحاكاة، فالمشهد ينزع إلى المعاصرة، ولكن الرغبة المجردة لا تحقق التطلع، وحقيق بنا أن نسوي بين نزعة التقليد وداء التبعية. على أن استفحال التمسك بالقديم أو القطيعة معه بطأتا فترة الارتباك والتردد وفوتتا فرصاً ثمينة، وحالتا دون التحولات الإيجابية، وإن كان ثمة إمكانيات لإبداع القصيدة المعاصرة المتوفرة على مقومات التألق.

إن عدداً من الشعراء الشباب يمتلكون الموهبة، ولكنهم لا يتمتعون بالاستقلالية، ويتوفرون على المواقف الضاغطة، ولكنهم يفتقرون إلى الثراء اللغوي والعمق الثقافي والتجارب الواعية، ومن ثم يأتي الشعر مرتبكاً، وغير ناهض بمتطلبات المرحلة ولا بمحققات الشعرية، ومتى فقد الشاعر محققات الإبداع، جاءت القصيدة منطفئة وغير مثيرة، وفقد المحققات أو بعضها حمل الموقفيين من النقاد على مساءلة الشاعر الحديث، ومحاسبته على إخفاقاته، أو اعتزال المشهد مكتفين بالاحتجاج الصامت، فيما تدافع الوصوليون على الكسب المظهري الرخيص، واستهلكتهم محاولات يائسة لتبرير ما حدث، وفي ذلك إجهاض للفعل الشعري الذي كان بإمكانه أن يحدث نقلة نوعية، لو أن النقاد صدقوا الشعراء، وأبانوا عن مقترفاتهم وإخفاقاتهم، وسيان عندي انتهاك الشرط الدلالي أو الشرط الفني.

والجمالية التي نسلم لها، ولا نجد منها غضاضة في حق الشعر حين نقبل بها ونؤكد على مشروعيتها هي التي لا تصادر حق الذائقة العامة، ولا تسلب الشعر جوهره، وحين نؤكد على مراعاة جوهر الشعر فإننا نعرف حجم الاختلاف حول مفهوم الجوهر وحدود الضوابط، وهذا التشتت في الآراء لا يمنع من الخوض مع الخائضين ف

المزيد


مَكْمن الجمال في القصيدة المعاصرة (1-3)

سبتمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , د. حسن بن فهد الهويمل

مَكْمن الجمال في القصيدة المعاصرة (1-3)
د. حسن بن فهد الهويمل

 

شغلتني (قصيدة النثر)، حتى لم أجد متسعاً من الجهد والوقت للاشتغال فيما سواها من فنون القول المحدثة، وكنت أقول بأنه يمكن أن يكون هذا اللون من السرد أي شيء من فنون القول المتميز والجذاب والمبهج في الكثير من أحواله، ولكنه لن يكون من الشعر في شيء..

.. ولأن المخالفين لي من أهل الفن وخاصته ليسوا أدعياء ولا متطفلين، ولقولهم أثره في المشهد، فقد حدوني إلى تقصي ما قيل عن القصيدة المعاصرة بكل أشكالها، وتحولاتها الدلالية والفنية، والتحرف للتزود من الآراء والنظريات والمصطلحات، ما تقدم منها وما تأخر، حتى (زنبور) ولد (حسان بن ثابت)، الذي أقسم أنه قال الشعر حين سجع ووازن، وحتى وصْفِ المشركين للرسول بأنه شاعر، لما جاء به من كلام لا يكون مجمله على شاكلة الشعر.

هذا الكم من الدراسات والمترجمات، جعلتني أشقى في الانتقاء، لا في البحث فيما بين يدي من كتب وما أنطوي عليه من معهود ذهني، وذلك كله فوق ما يتطلبه بحث مقتضب كهذا الذي نقدمه عن مكامن الجماليات، وعلى الرغم من التراكم المعرفي، أحسب أننا بأمس الحاجة إلى مزيد من القول، والتحسس عما يجد من آراء، فالمشاهد النقدية والإبداعية يلدن كل جديد، وكل يوم لها شأن آخر، قد يكون مناقضاً لما سلف أو مرهصاً لما هو آت.

ومشهد يتلقى ركبان المستجدات دون تقدير أو مراجعة، لا يقر له قرار، وأشقى النقاد والأدباء من يجوسون خلاله، وكل أجواء أدبية لا ينبعث منها طقسها، تكون معرَّضة للتحول السريع والمفاجئ، وقدَرُ مشاهدنا أنها مرتبطة بأجواء الغير تتغير بتغيرها، وحسبي أنني مرتهن لهذه التقلبات، وكلما فاضت رفوف مكتبتي من قضية، فوجئت بتجشؤات لها دوي كدوي الرعد، محدثة فراغاً مخيفاً، يحملني على التزود من المستجد، وهكذا تكون قضايا الأدب الحديث وظواهره، كما نجوى المحبين كلام الليل يمحوه النهار، ومن ظن الثبات والأناة فلينظر إلى ما خلّفه النقد الحديث وراء ظهره من قضايا وظواهر ومذاهب وتيارات، وما تعالق معه من أشباه ونظائر، ليعلم علم اليقين أن النقد كما الحداثة وبعدياتها لا تصبر على رؤية واحدة، ولعبة (البعديات) أعطت المتذوقين مجالاً أوسع لتبرير التحولات السريعة وغير الواعية.

والخلوص مما سلف لا يكفي فيه رفع الملفات إلى حين، وإنما يقضى عليه فيموت، ومقولات (موت المؤلف) و(موت النحو) و(موت النقد الأدبي)، حولت الحركة النقدية إلى تظاهرة جنائزية، ما كنا حفيين بها، وكل ما يعانيه الراصد الواعي والمتابع الحصيف من تقلبات مشقية ومربكة قد يعوضه عنها التنوع في المكتسب المعرفي، وتزود كل طائفة بما يساعدها على التصدي والتحدي والصمود، غير أن الجهد والوقت والمال في نزيف مستمر، فالناقد الذي يفرض على نفسه الحضور يتطلب مزيداً من نزيف المثمنات.

والمشتغلون في مشاهد الأدب والنقد كما الصعاليك الذين تتهاداهم التنائف، إذ لا يحطون من سفر إلا إلى سفر، ولو أن التنقل يتم بعد تحرير المسائل وتأصيل المفاهيم لما كان في ذلك من بأس، ولكنه انتقال يفاجئ المرء، وهو في منتصف الطريق، ذلكم الشقاء المستطير قدر النقاد المحدثين، ولكنه شقاء محبب إلى الذين يتلذذون بالاكتشاف والسير في المفازات، فالاختلاف لا يلغي قيمة المختلف معه، والنهي في الشريعة عن الاختلاف المؤدي إلى التفرق.

والحديث عن القصيدة المعاصرة وجمالياتها، إضافة نقدية، أرجو ألا تكون من القول المعاد، فالمتلقي بحاجة إلى استعادة الاكتشاف لا إلى الظواهر، ولا سيما أنه مشروع يجنح إلى التطبيق على الإبداع الشعري في (المملكة العربية السعودية)، وليس عاماً يستشرف الواقع الأدبي في المشاهد كلها، والدراسات الحصرية قد تحد من الانطلاقات في الآفاق الرحبة.

وحري بمشهدنا أن يستجيب للتحولات فإما أن نركب أمواجها، وإما أن نصُدَّ طوفانها، فما كان التسلل لواذاً منجياً ولا عاصماً من ماء المعارف المتدفق كالطوفان، على الرغم من أنه لم يعد الاهتمام بالموضوعية والمنهجية شأن المشهد النقدي المعاصر، فالدارسون للظواهر النقدية والأعمال الإبداعية لا يقيدون أنفسهم بالعناوين التي يختارونها بمحض إراداتهم، وكلما استحوذ التعالق غير الواعي على الناقد ندَّ به عن متن القضايا، بحيث لا يتمكن من تحرير قضاياه التي تشغله، وخصوصية الذوق والانطباع لا تبيح التمرد على الضوابط والسوائد، إن هناك

المزيد


المواءمة بين حتمية تحول (الخطاب الثقافي) وهيمنة الخصوصية والنسقية..! (5-5) د. حسن بن فهد الهويمل

يوليو 4th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , د. حسن بن فهد الهويمل

المواءمة بين حتمية تحول (الخطاب الثقافي) وهيمنة الخصوصية والنسقية..! (5-5)
د. حسن بن فهد الهويمل

 

 

 

.. ولتفادي إلغاء الدين النصراني عمد الإصلاحيون المسيحيون إلى إجهاض النص الديني المسيحي العاجز عن استيعاب النوازل بالتأويل المحيل، ومن ثم نشأ مصطلح (الهرمينوطيقا). ولما لم تكن إشكالية النص التشريعي الإسلامي المقدس في استيعاب النوازل…

..فقد كانت هناك انعكاسات فكرية وفلسفية، لم تكن على وفاق مع النص، والذين استحوذ عليهم سلطان العقل، وتلوثت أفكارهم بالفلسفات والمنطق الصوري لم يجدوا بُداً من الركون إلى التأويل الفاسد لتطويع النص لقبول ما أخذوا به مما لا تقوم الحاجة إليه، والفِرق الإسلامية حين ووجهت بنصاعة النص ووضوحه لم تجد بُداً من اقتراف خطيئة تحريف الكلم من بعد مواضعه. وممارسة إجهاض النص على أي شكل يعني إلغاء الخصوصية المشروعة ونسف النسق المعرفي، وهو ما يوده الآخر ويتبناه التبعيون، وفي كل حضارة تمر الأمم بمحاولات تجديد أو ترديد أو تحريف، وقد تكون صحة الأبدان في العلل، وما نسل العلماء الأفذاذ إلا من تحت الضربات الموجعة، فلو نظرنا إلى الظروف التي أنتجت شيخ الإسلام (ابن تيمية) والمصلح (ابن عبدالوهاب) لوجدناها ظروفاً عصيبة: فكرية كانت أو عسكرية، والخطورة ليست في الغزو من الخارج، ولكنها حين تكون من الداخل. وللأديب (محمد محمد حسين) كتاب قيّم بعنوان (حصوننا مهددة من داخلها)، تناول فيه انحراف الدراسات النفسية والاجتماعية، وتحولات الفن والثقافة تحقيقاً للغربنة وقضايا المرأة، واتجاه الترجمة لكتب الفكر والأدب، ومؤتمرات التعليم والتحولات في مناهج اللغة والدين، والانحرافات في الدراسات الإسلامية. وإذ نمضي مع بعض الدراسات الرصدية والتحذيرية من مثل هذه التحولات غير الراشدة، فإننا نتحفظ على حدة النبرة والحدية الصارمة تحت وطأة المفهوم المتشدد لدرء المفاسد وسد الذرائع، على أن الكثير من عشاق التغيير لا يكون لديهم الإلمام التام بمتطلبات الخطاب الفكري والثقافي، ومن ثم يقعون في المحذور من حيث لا يريدون، ومثل هؤلاء يحتاجون إلى الإرشاد لا إلى الإقصاء والتصنيف، فالوهم غير الإصرار على الحنث العظيم، والوقوع في نواقض الإيمان جهلاً يواجَه بالإرشاد. والتجديد مطلب العلماء والمفكرين، ولكنه محفوف بالمخاطر لتقحم المبتدئين وتسرعهم، وجهلهم للحاجة والإمكانيات، وتعديهم لحدود ما أنزل الله إن جهلاً أو استخفافاً.

لقد مرّ الخطاب الثقافي بوضعه الشمولي في الغرب بمراحل متعددة بدأت بهيمنة الكنيسة، ثم بالإصلاح (اللوثري)، ثم بهيمنة العقل بشقيه: العملي والمحض، ثم بهيمنة العلم، ثم بالتمرد الوجودي (الليبرالي) والحداثي الانقطاعي.

وبالموازنة بين النسقين الغربي والعربي نجد أن الفروق واضحة، والذين يريدون الارتماء بأحضان الغرب يلغون الأنساق الثقافية والخصوصية الحضارية، وهذا لا يمت إلى الحرية بشيء، إنه عبث يؤدي إلى المسخ. إن مكونات الوعي الغربي تختلف كثيراً عن مكونات الوعي العربي، وعلى ضوء ذلك لا بد أن تختلف المناهج والآليات والأولويات، وما أحوجنا إلى استيعاب (فقه التمكين) في القرآن الكريم لكي نفرق بين خطاب الضعف وخطاب القوة. إن عملية التحول في ظل الظروف المعقدة عملية في غاية الخطورة، وبخاصة حين يتصدر المشاهد من لا يحسن الدخول والخروج. إن التفكير المرتهن لعصر عمر بن الخطاب أو صلاح الدين تفكير انتحاري لأنه نهوض بالمهمات الجسام دون توافر محققات النجاح، والتفكير المرتهن لعصر الضعف والهوان تفكير استسلامي تخاذلي، وحفظ التوازن بين التفكيرين مهمة صعبة لا يؤتاها إلا الأفذاذ من العلماء والمفكرين. إنَّ التغريب المتحكم يهدد النسق والخصوصية، ولكي لا ندعه يستشري لا بد أن نستبدله (بالاستغراب) المعادل للاستشراق، فالاستشراق يعني الوصول المقتدر إلى المعارف والثقافات العربية، واستيعابها، وتوهين الأمة من خلال فهم الثغرات ومناطق الضعف ومجالات التشكيك، ولقد فعلها بذكاء ماكر عدد من المستشرقين، وذلك حين تحدثوا عن (القراءات) القرآنية، والنسخ في القرآن والمتشابه وقضية الانتحال في الشعر الجاهلي وعلاقة الفقه الإسلامي بالقانون الروماني وقضايا المرأة والرق ونظام الحكم وغيرها، وكل هذه الإثارات لتوهين الأمة وتصديع وحدتها الفكرية لكي تظل تابعة مستهلكة للأشياء والأفكار. إنّ الاغتراب كما يقول حنفي: (تحول الأنا إلى الآخر).

والمستعمر الذي خرج بثكناته ومندوبيه عاد بمفكرين ومثقفين ليمارس طمس الخصوصية ونقض النسق، والشجرة تثبت بجذورها وتحضر بأغصانها وأوراقها، فالنسق يمثل الجذور، وهو مصدر الثبات، والخصوصية والهوية تمثلان الأغصان والأوراق. وأحد التحديات السبعة التي اختارها حسن حنفي يتمثل في (الهوية ضد التغريب والتبعية والتقليد) وهو ما نركز عليه في عملية تح

المزيد


المواءمة بين حَتْمية تحوُّلِ (الخطاب الثقافي) وهيمنة الخصوصية والنسقية..!! 2 - 4

يونيو 10th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الحداثة, د. حسن بن فهد الهويمل

المواءمة بين حَتْمية تحوُّلِ (الخطاب الثقافي) وهيمنة الخصوصية والنسقية..!! 2 - 4
د. حسن بن فهد الهويمل

 

ومع أن هناك إمكانيةً للحوار بين مُجمل الحضارات بوصف الإنسان مسهماً رئيساً في تشكيلها، إلا أن تنامي الأزمات والصدامات يخيف المعنيين، فقد تحمل الأثرة الأقوياء لممارسة الاحتواء بالقوة وليس بالإغراء والاستدراج.

ولهذا فإن أزمة الثقافة ناتج الغزو والتآمر والفوقية والخلطِ بين الإمبراطورية السياسية والهيمنة الثقافية.

ولا شك أن هناك ثغرات ينفذ منها الغزو بكل أشكاله، ولتلافي أي نفاذ يؤثر على سيادة الأمة فكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً لا بد من وضع خطة محكمة وطويلة الأجل وذات بعد حضاري مستوعب لكل الاحتمالات ولا يمكن أن يتحقق التحول الإرادي في ظل هيمنة الآخر وتحكمه في القرارات المصيرية.

وإذا كان من الضروري تبادل الخبرات بين الحضارات والخلطة البشرية عبر البعثات والاستقدام إضافة إلى التّماس بين سائر المؤسسات التعليمية والإعلامية، فإن تلك الحتميات لا تكون مُضِرةً إلا إذا وافقت قابليّةً لدى الطرف الأضعف، وهنا تختلط المفاهيم حول التحول المشروع والتبعية المحظورة وهنا يكون الموقف المتحفظ من التحول مشروعاً.

والذين يتحرجون من الحديث عن الغزو والتآمر وعقدة الخوف يجهلون أو يتجاهلون الأدوار المشبوهة التي يمارسها المبشرون والمستشرقون وسائر المؤسسات ذات الهم التغريبي، وإذا كنا نتحفظ على طائفة من الإسقاطيين الذين يحمّلون الغرب وحده مسؤولية ما تعانيه الأمة العربية والإسلامية من ضعف وتفكك، ولا نقول بالغزو والتآمر لمجرد التخلي عن المسؤولية فإننا لا نستبعد الكيد والمكر واللُّعب السياسية التي حققت الفشل أو أذهبت الربح، وخلطت بين التحول المشروع والانصياع الطوعي للآخر، ومن الخطأ الفادح الإطلاقات المعممة وتجييش العواطف لاختيار الصدام مع إمكان غيره.

والأمة التي تواجه ثورة المعلومات والاتصالات والإعلام لا بد لها من التفكير الجاد لمواجهة التحدي العصيب، ولن تتحقق المواجهة المتكافئة إلا بتربية سليمة مستجيبة لمتطلبات المرحلة ومتكافئة مع مناهج الغرب، ووعيًّ بالذات والآخر، فمن جهل نفسه فهو لما سواها أجهل، ولا بد من رقابة حضارية وإعلام منافس يستحوذ على المشاعر وينازل بندية. وعلى الرغم من أن الثقافة الغربية شائعة وسائغة ومتبعة إلاَّ أنها لمَّا تزل تلح في إلغاء ما سواها، وذلك مكمن الشقاق والتناحر، وكم كان جميلاً لو أمكن التعايش والتصالح وتبادل المنافع والخبرات وإزالة شبح الخوف والترقب. وإذ يكون من حقنا جدل الدفع فإن الأجدى والأهدى أن يكون بالتي هي أحسن، وقبل التصدي المنطقي والمشروع للثقافة المغايرة لا بد أن نحدد مرادنا وسمةَ ثقافتنا ومرجعيتها والتعرف على القواسم المشتركة بين الفرقاء داخل المنظومة الواحدة، وما أضر بالأمة إلا الاهتياج العاطفي، والتصدي الأعزل من القوة والتقدير.

ومهما أغمضنا تفادياً للصدام فإن الاختلاف مع الآخر عميق والهوة سحيقة والعداوة قديمة ومتنامية، وإذا كان من مصلحتنا تجاوز ذلك كله ومحاولة البحث عن القواسم المشتركة فإن التحرف لا يستدعي الانسلاخ ولا مسخ الذات.

والتحول المنشود لا يكون بالإذعان والانصياع، على أن هناك خلافاً مستمراً داخل المنظومة الواحدة، وهو قائم على أشده بين أبناء الثقافة الواحدة، وهو بلا شك طريق قاصد للآخر المتربص، لقد مكَّن للثقافة المهيمنة من التوغل والحزِّ إلى العظم، والاختلاف غير المعتبر لا يمكِّن من التحول بسلام وخير منه الثبات والسكينة.

وتحول الخطاب الثقافي، لا بد أن يراعي مقتضيات الوحدة الفكرية ومشروعية التعددية، ومن الخطأ الكبير تصور الوحدة الفكرية بأنها تعني واحدية الخطاب وأنها تستدعي الحدِّية الصارمة، وأكبر من ذلك استبعاد المرجعية وتصور حرية التعبير والتفكير على غير مراد الشارع، ولما كانت الوحدة الفكرية ممكنة مع التعددية والاجتهاد فإن من الخطأ التحفظ على تداول القضايا الخلافية بروح الفريق الواحد.

والتعددية المشروعة لا بد أن تحافظ على الهوية المشتركة والنسق الثقافي الواحد والقطيعة إذا قبلت بين الفرقاء فإنها لا يمكن أن تستساغ بين أبناء الحضارة الواحدة، ولا يمكن تحقق الوفاق مع الأثرة وسوء الظن وبرمجة الذات.

وليس من حق أحد أن يحمل المسؤولية من لا يتفق معه في وجهة النظر، فالأطراف كلها تقتسم مسؤولية القطيعة، وإذا كان هناك محققات للاتفاق وضوابط فإن للاختلاف ضوابطه أيضاً.

واضطراب المفاهيم والمواقف حين يحكمها

المزيد