تزامنت مع تطور حركة النشر … مصادرة الكتب «تعكّر» المشهد الثقافي السوداني

نوفمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , تحليلات علمانية -تستحق القراءة لكنها قاصرة!!!

تزامنت مع تطور حركة النشر … مصادرة الكتب «تعكّر» المشهد الثقافي السوداني

الخرطوم - عصام أبو القاسم     الحياة     - 27/09/08//

عانى المشهد الثقافي السوداني على مدى أعوام ضعفاً في حركة النشر، وما عدا القليل من العناوين الأدبية التي صدرت ضمن منشورات «مصلحة الثقافة» في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، ثم العناوين الأقل التي قدمتها دار نشر جامعة الخرطوم في وقت لاحق، لم يعرف السودان حركة نشر يمكن أن يُشار إليها، وفي بعض الأحوال لجأ الروائيون والقاصون السودانيون إلى دور نشر عربية في اليمن ولبنان وسورية لطباعة أعمالهم، إلا أن التجربة لم تكن مغرية للكثيرين لأن الكتاب الذي ينشر في الخارج يبقي هناك ولا يصل إلى السودان إلا قليلاً!
الواقع، وعلى خلاف القاعدة السائدة «الخرطوم تقرأ» بدا كأن شركات توزيع الإصدارات العربية لا تنظر إلى السودان كسوق جيدة لإصداراتها، إذ غابت على مدى وقت غير قصير الكتب الثقافية والدوريات والمجلات بل الصحف؛ وانعدمت إلا في أسواق الكتاب المرتجع حيث يتسلل الكتاب من سوق الأزبكية المصري عبر تجار «الشنطة» إلى سوق أدرمان!
ومع بدايات التسعينات من القرن الماضي بدأت حركة النشر الخاص في النمو، واتجه رأس المال السوداني إلى الاستثمار في هذا القطاع ولازمت هذه البدايات إشكاليات كثيرة، فمستوى الطباعة كان متخلفاً تنضيداً وتصحيحاً، وسواهما من الضرورات الفنية، أما التوزيع فلا يتجاوز نطاقه الخرطوم. كان على الكاتب دائماً أن يتنازل عن الكثير من استحقاقاته حتى يضمن نشر كتابه. ولكن على رغم ذلك، وعلى المستوى الكمي وفرت هذه الفترة الكثير من العناوين الروائية والقصصية الجديدة. يقول الناقد احمد عبدالمكرم: «إن الفترة من 1990 حتى 2007 شهدت صدور 120 نصاً روائياً مقابل 50 نصاً فقط خلال الفترة من 1948 حتى 1990».
وخلال الاحتفال بالخرطوم عاصمة للثقافة العربية عام 2005 تمت طباعة مئات الكتب الجديدة في الحقول الإبداعية المختلفة، وأُصدرت طبعات جديدة للكثير من الكتب القديمة، الأمر الذي عدّه البعض حلاً شاملاً لأزمة النشر المزمنة التي ظل يعانيها المشهد الأدبي السوداني، باعتبار انه وفر الإمكانات المادية لدور النشر الوطنية وأتاح الفرصة للكثير من المبدعين لنشر إبداعاتهم. ولكن بالتوازي مع هذه الانتعاشة تقدمت المشهد حركة مصادرة الكتاب الأدبي، وبدا مفارقاً للغاية وغريباً في هذا الباب أن أمانة الخرطوم عاصمة للثقافة العربية صادرت مجموعة قصصية كانت هي نفسها أصدرتها وهي «على هامش الأرصفة» للقاص عبدا

المزيد


رواية «العمامة والقبعة» لصنع الله إبراهيم … نظرة أخرى الى الصراع بين الشرق والغرب

سبتمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , تحليلات علمانية -تستحق القراءة لكنها قاصرة!!!

رواية «العمامة والقبعة» لصنع الله إبراهيم … نظرة أخرى الى الصراع بين الشرق والغرب

محمد بدوي     الحياة     - 17/08/08//

يفاجئ صنع الله إبراهيم قرّاءه في روايته الأخيرة «العمامة والقبعة» بالعودة إلى التاريخ، لكنه «التاريخ القريب»، وتحديداً تاريخ «الحملة الفرنسية على مصر والشام»، كما تسميها كتب التاريخ في المدارس. وهي لحظة مغرية بامتياز لكثيرين، لأنها تتيح فرصة تأمل إحدى حلقات الصراع بين الشرق والغرب من ناحية، وأولى لحظات الصدام بين الحداثة الإمبريالية والتشكيلات الاجتماعية الثقافية ما قبل الحديثة في الإقليم العربي.
وكتبها من قبل كتاب من طراز علي الجارم ومجيد طوبيا ويوسف شاهين وألفريد فرج، فضلاً عن «الكتابة التاريخية» لدى الجبرتي وكريستوفر هيرالد، وفؤاد شــكري وهــنري لورانــس.
نعلم جميعاً أن صنع الله إبراهيم بدأ الكتابة مستلهماً ما عاشه، عملاً بنصيحة إرنست هيمنغواي «لا تكتب إلا عما تعرفه» التي ضاقت لدى كثيرين حتى أصبحت مساوية لاستخدام ضمير المتكلم كما في كتابيه «تلك الرائحة» و «نجمة أغسطس»، وما لبث إبراهيم أن تخلى نســبياً عن هذه النصيحة، فاســتخدم حــيلة «رواية داخل رواية» في «بيروت… بيروت»، واستخدم الحكاية الرمزية في «اللجنة» ثم أسرف في اســتخدام الوثائق في «ذات»، وقــاده ذلك إلى اســتخدام وثائق التاريخ القريب في «وردة» التي تؤرخ لما يــسمى في خطاب «حركة التحرر الوطني» بـ «ثورة ظفار»، ليتناص مع «يــوميات الــجبرتي» من خــلال محاكاة خطابه والاقتبــاس منه، واســتعار مــنه تــقريباً آلة ســرده.
وهذا يعني أننا مع «خطابين»، خطاب الجبرتي وخطاب تلميذه سارد الرواية، ليتضح الفارق: «يركز الشيخ - الجبرتي - على الأحداث العامة ويتجنب الحديث عن الأمور الشخصية، قررت ألا «أقلده» ورويت واقعتي مع الجارية السوداء» (ص20). لا أعرف على وجه اليقين إن كان الكاتبون آنذاك يستخدمون بغير «الأمور الشخصية».

علامات رائجة

ولكن لا بد من أن صنع الله بذل «جهداً بحثياً» لامتلاك لغة هذه الفترة، على رغم أنني لاحظت أنه يلجأ إلى علامات لغوي

المزيد


احتلال الكويت والتحامل على الغرب

أغسطس 7th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , تحليلات علمانية -تستحق القراءة لكنها قاصرة!!!

خليل علي حيدر

عن الكاتب

أرشيف الكاتب أضغط هنا

 
 



احتلال الكويت والتحامل على الغرب

هل دراسة علم الاجتماع السياسي، والعمل كمستشار في اليونسكو بباريس، مؤهلات كافية للتفكير في الكوارث السياسية بشكل بسيط منطقي؟

تجربة د.برهان غليون مع أزمة احتلال الكويت وتحريره 1990-1991، والتي كتب عنها ورقة طويلة في ندوة “أزمة الخليج” بالقاهرة لا تثبت هذا. فهو، كغيره من المثقفين والمنظرين العرب، وقع ضحية للتفسيرات السياسية المعقدة، ومحاكمة النوايا، وربط الحاضر بالماضي، في حملة شعواء على الغرب والولايات المتحدة لا تبقي ولا تذر.

يقول في مطلع حديثه إن الولايات المتحدة لم ترسل جيشها إلى المنطقة “كي تضمن مصالح الشعب الكويتي”. وهذا لا يتطابق مع الواقع، حيث استطاع الجيش الأميركي تحرير الكويت خلال فترة بسيطة وبأقل قدر من الدمار. ولو كان الأميركان بهذا الجشع والأنانية التي يصفهم بها هو وغيره من كتاب العالم العربي، لاتبع خطة أخرى لتحرير الكويت كانت تؤدي به إلى دمارها بشكل واسع، ليتيح للشركات الأميركية والغربية استنزاف المليارات في تعميرها!

المزيد


في العلاقة بين الدين والديمقراطية

يوليو 30th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , تحليلات علمانية -تستحق القراءة لكنها قاصرة!!!, مقالات عن العلمانية بعضها علماني خرافي وبعضها اسلامي راقي

في العلاقة بين الدين والديمقراطية
آخر تحديث:الخميس ,17/07/2008

يوسف مكي

 

الدين في الديمقراطية، هو عنوان محاضرة للمؤرخ والفيلسوف الفرنسي، مارسيل غوشيه صدرت بالعربية عن المنظمة العربية للترجمة. وقد ركزت على الانعطاف في العلاقة بين الأديان والسياسة، وبشكل خاص في فرنسا، حيث يعبر مفهوم العلمنة عن خصوصية مجتمعها، ويرجع ذلك إلى فصل الكنيسة عن الدولة، وفصل الدين عن السياسة، وسيادة نظام يعمل على استعادة المجتمع الإنساني خياره الذاتي.    

قراءة هذا الكتيب أوحت بجملة من المقاربات بين واقعنا العربي ونظيره الأوروبي. فلم يكن هناك تعارض حاسم بين الدين والديمقراطية في مجتمعاتنا. إن علاقتهما هي علاقة بين المطلق والنسبي. وعلى نقيض السلطة السياسية المطلقة في أوروبا التي استندت إلى هيمنة الكنيسة، لم يشرع في الدين الإسلامي الحنيف طريقة بعينها لشكل الحكم. وحصرت المطلقات في سيادة اليقين، والتمسك بمبادئ وأحكام الشريعة والإيمان بها، وفي مقدمتها تحقيق العدل وإماطة الأذى عن الناس.

أما الديمقراطية، فتمثل ما هو نسبي من حيث هي ممارسة غير ساكنة، وقد حدثت تطورات هائلة في تطبيقاتها، خضعت لمتغيرات ظرفية، تمحورت في الكيفية التي يحكم فيها الشعب نفسه.

في هذا السياق، كانت الثورة الفرنسية، انعطافة كبيرة، في طريق مواجهة نظرية “الحق الإلهي”، وتعزيز الفصل بين السلطات. وكانت نتاجاً لتحالفات اجتماعية واسعة، شملت أرباب الصناعة الذين تصدروا قيادتها. كما شملت الطبقة المتوسطة، وجمهور الجياع الذي انقض على الباستيل، وأنهى مرحلة تاريخية، سادت لحقب طويلة.

ورغم أن هذه الثورة طرحت، شعارات كبيرة، أصبحت فيما بعد محرضا لتغييرات سياسية كبرى، كحقوق الإنسان، والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، لكن تلك الأهداف لم تكن واضحة المعالم كما هي الآن. كان هناك حديث عن سلطات ثلاث، تشريعية وتنفيذية، وقضائية، لكن الفصل بين السلطات لم يكن محددا بد

المزيد


مقاربات في الهرمينوطيقا الغربية والتأويل الإسلامي

يوليو 28th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , التلاعب بالادمغة-واشتغال العلمانيين العرب علي اوتار ساخنة!, الحداثة, تحليلات علمانية -تستحق القراءة لكنها قاصرة!!!

مقاربات في الهرمينوطيقا الغربية والتأويل الإسلامي

المستقبل - الخميس 24 تموز 2008 - العدد 3027 - ثقافة و فنون - صفحة 20



عمر كوش

يبحث عمارة ناصر في كتابه “اللغة والتأويل” الدار العربية للعلوم والفارابي والاختلاف، بيروت ـ الجزائر، 2007 في العلاقة الكائنة ما بين اللغة والتأويل، فيجري رصداً واسعاً للمخاض الفلسفي الذي نشأت في ظله تلك العلاقة الحميمة ما بينهما، ويقدم بعض ما أنجزته الفلسفة الغربية لإنقاذ المعاني المحاصرة في دائرة المركزية الأوروبية المحكومة بآليات المطابقة والمماثلة من خلال أعمال فلاسفة كبار أمثال نيتشه وفرويد وماركس، وشلايرماخر ودلتاي وهيدغر وغادامير وريكور. كما يتناول الرابطة المعرفية ما بين اللغة والتأويل في الفكر العربي الإسلامي، من خلال الخوض في المشروع الذي هدف إلى تجديد المعاني المتهافتة في غياهب تراث مغمور وموصدة فيه أبواب الاجتهاد والتجديد. وعليه يبدأ بتحديد ماهية الهرمينوطيقا، التي يحصرها في التأويل، من حيث كونه إشكالية ولدت مع إشكالية الترجمة، بعد أن جرى الاستناد إلى الفيلولوجيا في ترجمة النصوص، الأمر الذي طرح مشكلة الاختلال في المعنى المتعادل مع معنى النص الأصلي، وبالتالي فإن مسألة التعادل في المعنى هي منشأ التأويل. وعليه فإن التأويل ليس منهجاً نظرياً يمكن الاعتماد عليه، وليس قانوناً علمياً يمكن الحصول منه على نتائج منطقية، غير أن التأويل يستغرق في كينونة الموضوع المؤول، فاتحاً بذلك عالم الذات على عالم النص، من دون وساطة منهجية، لكن تحديد التأويل أو الهرمينوطيقا يستلزم تعيين المفاهيم المركزية في حقل القراءة التأويلية وعلاقتها باللغة، للكشف عن الدينامية التي بها تشتغل، وبها تقتحم موضوعها، وتبيان المبررات التي تجيز شمولية هذه الدينامية، وكذلك التعريف بموضوعها، أي التعريف بالنص، ثم تحديد العلاقة التي تنشأ بينهما وتبيان طبيعتها.
وخلال عرض مشروع التأويل في الفكر الغربي، يعتبر المؤلف أن الحداثة مثّلت ـ في بعدها الفلسفي ـ خلاصة لاستنفاذ المخيال الاسطوري والرمزية الدينية والفنية، وأرست قواعد للخطاب ومعايير ترمي إلى الابتعاد عن الذاتية لتأسيس القول من خلال آليتها، ومثل الجهد اللغوي منذ سوسير تغيراً عميقاً لهدف الفكر الغربي وقراءة فلسفية لرموزه من أمثال نيتشه وماركس وفرويد وسواهم.
غير أن التأويلية المعاصرة تحددت وفق مقولة أن “اللغة تشرح التاريخ، لأن معنى التاريخ هو أن يكون تاريخاً للمعنى”، لكن اللغة في حدّ ذاتها لم يكن بالإمكان تطويعها للفهم الهرمينوطيقي إلا عبر التخلص من الصلابة المنهجية وسيميائها، حيث لم يعودا مكانين لاستقرار الحقيقة ووحدتها. ويقتضي تبيان ذلك من خلال المقارنة ما بين مقاربات اللغة في الفلسفة الغربية بالنظريات التأويلية المعاصرة، وذلك كي تتم الاستفادة من التجربة التأويلية الغربية وتحصيل ما يدفع اللغة إلى حدود إمكانية اقتحام النص في أعماقه.
ولدى استعراض التراث الفكري الغربي، يتبيّن أن الفكر الفلسفي فيه لم يعمل إلا على تشييء كل ما هو معطى للفكر، بدءاً بالبحث عن أصل الكون وانتهاء باللسانيات الحديثة، الأمر الذي جعل المعاني تنسحب خلف لاشيئيتها في مقابل إلحاح الانسان على الامتلاك برغبة والمعرفة بفهم والتواصل بلغة والاحساس والادراك بشعور العيش بقيم. لذلك بحث الفكر الغربي عن طريقة مختلفة لتجديد المعاني التي أنبتها الوهم بامتلاك الحقيقة واستقرارها في خطاب اللغة والشعور والمجتمع والاقتصاد ..الخ.
انتاج الرموز
أما على الجانب الفكري العربي الإسلامي، فإن المؤلف يعتقد أن النص المؤسس لتاريخ الفهم العربي الإسلامي، ويقصد القرآن، ينطلق من التميّز في بنيته عن الشعر الجاهلي، بمعنى أن إنتاج الرموز فيه يختلف عن إنتاجها في الشعرية الجاهلية، ليس على مستوى اللغة، وإنما على مستوى الدلالية وعلمها الذي يفتقر إلى الأشياء ومراجعها، لأن القرآن يشتغل منذ البداية على حمل اللغة لتقرير الوجود، حيث يتأسس الخلق على اللغة والوجود، وينبثق من “كن”. ثم أن العالم كله مسبوق بنص شامل هو “اللوح المحفوظ”، لكن عندما تتوسط اللغة الذات الخالقة والخلق، فإن هناك مسافة ما ينبغي أن تعاد داخل بنية الفهم.
وانحصر عمل التأويل في الخطاب الفكري العربي الإسلامي على نقل الذات القارئة وفرضيات الخطاب إلى جهة لا تتعادل في المعنى، وبالتالي فإنه حيث يكون اللاتعادل فلا نهائية للتأويل، بل عودة إلى خطاب النفس لتجديد دلالات اللغة الموضوعة لمراهنة المعنى. ونتج عن ذلك أن اللغة وموضوعها هما المنتصران في مراهنة التأويل، الذي يطرح في كل فهم تخارجاً مطرداً لمواقع الفهم، التي أُغرقت بدورها في جدل المجاز والحقيقة في خطاب اللغويين وفي اضطراب النفس في خطاب الصوفية.
ويبدو أن القراءات اللغوية والتأويلية في التراث العربي الإسلامي بدأت اشتغالها من الجهة التي ينفتح فيها خطاب القراءة على العلاقة فوق اللغوية بين قارئ مهيأ للاستقبال والاعتقاد، في مجاله المتراوح بين الفهم للمعرفة والفهم للايمان، وبين ذات كاتبة وإلهية في مجالها المتراوح بين الخطاب للإرادة والخطا

المزيد


رحيل طاغية من طواغيت الفن

يوليو 28th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , تحليلات علمانية -تستحق القراءة لكنها قاصرة!!!

السينما العربية تفقد مشاغبها ومشاكسها وأحد ابرز وجوهها في الإخراج

رحل يوسف شاهين والسيرة مازالت ناقصة

المستقبل - الاثنين 28 تموز 2008 - العدد 3031 - ثقافة و فنون - صفحة 20


 


 


 


 


 

ريما المسمار

يترك الموت وجهاً أخيراً للحياة يختزل الميت وذكراه. وجه يوسف شاهين كان اول ما أستعدته بعيد نشر خبر وفاته ظهر أمس. ربما لأن لوجهه خصوصية في التركيب والملامح وبعض التفاصيل الذي لم يتبدل كثيراً خلال سنوات عمره. وربما لأنني غالباً ما التقيته ضاحكاً او متخمساً او ثائراً بما هي مشاعر حدية تبرز ملامح الوجه أكثر. ولكن أكثر ما أراه الآن في مخيلتي هو ذلك الوجه الساخر ربما لأنه يتسق مع لحظة الموت هذه. أستعيد وجهه إذ يسخر بود من مساعده الشاب الذي رافقه غير مرة الى بيروت في السنوات الأخيرة وكأن وظيفته الاولى كانت منعه من التدخين. يمسك ـ اي الشاب ـ بعلبة السجائر بين يديه كأنها قنبلة موقوتة لا يسمح لأحد لاسيما شاهين بلمسها لكأن سوء استخدامها قد يعرض الجميع الى خطر انفجارها. وحده يدرك بايقاعه الداخلي متى يسحب سيجارة ويعطيها لشاهين بصرف النظر عن الحاح الاخير الذي اتخيله ان أمسك بالعلبة فسيشعلها كاملة في فمه. أتخيل الآن ان سخرية شاهين واستسلامه لقرارات من حوله بتقنين عدد السجائر كانا نابعين من إحساس بأن ما من فائدة من كل ذلك. القلب كان دائماً نقطة ضعف شاهين ولكن الموت أصابه في الرأس. انها سخرية الحياة والموت إذ ما إن يتوصل الانسان الى فهم أحد وجوههما حتى يعيدا تشكيله من جديد ساخرين من كل محاولة لفهمهما او وضعهما في اطار المنطق.
قرابة الشهر ونصف الشهر قضاها يوسف شاهين في غيبوبة لا يستطيع انسان ان يتنبأ بما كان يراه خلالها او يشعر به. فتلك حالة عصية على الفهم على الرغم من كل التفسيرات الطبية التي تشرّحها بلغة ومفردات لا تقترب بأي حال من الاحوال من الحقيقة الانسانية. فالكلام على جسد مستغرق في سبات عميق يؤدي وظائفه الكاملة غير محسوس ولا يمكن ترجمته بفهم فعلي لمعانيه او الأحرى لمفاعيله. ولكننا نفهمه من خلال ما لا يعنيه. اي ان الكلام الذي نُقل عن مقربين منه قبل وفاته ظهر أمس من انه كان يُظهر في الايام الاخيرة اشارات تدل على قدرته على السمع يعني انه قبل ذلك لم يكن يرتبط بالعالم من حوله بحاسة السمع وبطبيعة الحال كان معزولاً عنه بعدم قدزته على الكلام. ولكن لهذه الحقيقة دلالات أخرى ربما لا تذهب أبعد من الاعتقادات الشعبية الموروثة او الماورائية من ان يقظة غالباً ما تسبق الموت. فماذا سمع شاهين في ايامه الاخيرة؟ وهل يمكن الذهاب الى حد قول ان سنواته الاخيرة كانت برمتها يقظة ما قبل الموت؟ لقد كان السينمائي ومن دون شك يعيش هاجس الموت منذ سنوات. مازالت كلمته ترن في أذني “الموت في أثري” قالها بعيد تكريمه وعرض فيلمه “سكوت حنصور” في مهرجان البندقية العام 2001 بعد ان كان قد تعرض لنكسة صحية ابان تصوير الفيلم. على أثرها، أعلن انه في صدد التحضير لثلاثية جديدة في عنوان “الرغبة في الحياة” لاعتقاده بأنه لولا تمسكه بالحياة لمات قبل ذلك عدة مرات. ولعل ذلك ما صالحه مع كثيرين من محاربيه ومنتقديه خلال العقد الاخير او أكثر بقليل ممن رموا أسلحة التشهير وحتى مع مقدسيه ممن وضعوا جانباً رايات التهليل لتطفو على السطح صورة شاهين الذي لا يتوقف عن العمل ويسابق الزمن ليدلو بدلوه في كل قضية عامة وان بخطاب شبه معروف. غير انه أثار إعجاب كثيرين بقدرته على العمل المتواصل وقد تجاوز العقد السابع وبحيويته وحماسته في ما لم تشهده السينما العربية من قبل.
بعيداً من الوقوع في قسوة التعبير او صلافته، تبدو لي ميتة شاهين تلك متأثراً بجلطة دماغية أصابته في الرابع عشر من حزيران/ يونيو الفائت ميتة تختصر ماهية حياته ومسيرته السينمائية في شكل رمزي عميق. العقل كان دوماً موضع القلق في حياة شاهين ومنبع سينماه التي لم تكن سوى مرآة لتقلباته الفكرية وتواتر حالاته الذهنية وتبدل مواقفه السياسية. ولعل تلك التحولات الفكرية والسياسية هي التي صنعت اشكالية شاهين بين النقاد والجمهور على مدى نحو ستة عقود من العمل السينمائي أكثر من مغامراته الاسلوبية في السينما. ذلك ان سيرة شاهين الحياتية تملك من التناقضات والغموض والتحولات ما يجعلها مثيرة من أكثر من زاوية وربما أحبها الى قلب المحللين تلك الزاوية التي يمكن من خلالها ان نطل على سينماه.
شاهين اليوم، او الأحرى الذي غاب في الامس، الذي سيسيل الحبر في استذكار مسيرته ومراجعة محطاتها هو اشهر مخرج مصري وعربي. تحول مخرجاً/نجماً عندما حقق نقلة نوعية فى التعامل مع السينما حيث بدأت تنسب الى المخرج وليس الى النجم وحاز”العالمية” كما يحلو لكثيرين القول من خلال اعتراف المهرجانات الكبرى به وآخرها التكريم الذي حازه العام 1998 في خمسينية مهرجان كان السينمائي. ولعل من مفارقات ذلك ان الذين يعرفونه في العالم العربي يفوق عددهم الذين شاهدوا أفلامه. وأولئك يعرفونه من خلال “الصورة” التي تم اختصاره بها وهي صورة تقوم على حدين: إما التهليل وإما “التكفير” وفي حدها الوسطي تختزله بالمخرج “المتحذلق”. واذا كانت علاقة شاهين بالسينما قامت على كل تلك التحولات فإنها ايضاً خرجت من علاقة جدلية مع نشأته ومحيطه وانتقلت الى السينما في شكل تجاذبات حادة في بداياته تحت راية صفات من نوع “المتمرد” و”المشاكس” والقادر دوماً على إثارة المفاجآت.
الحياة الاولى
ولد يوسف شاهين في السادس والعشرين من كانون الثاني/يناير العام 1926 في مدينة الاسكندرية من عائلة مهاجرة، ترك أجدادها بلدة “زحلة” اللبنانية وابحروا الى الاسكندرية الكوزموبوليتية في ذلك الحين. طغى على سكان الاسكندرية وقتذاك وجود “الخواجات” فامتزجت الثقافات والافكار وتصارعت الرغبات في ملعب الطموح السياسي والمالي.. بينهم عاش يوسف، نصف خواجة بامكانات مالية شحيحة وعناد شخصى لا حدود له. كان والده محامياً يحلم بأن يحذو ابنه حذوه ويرتقي درجة في سلم البورجوازية.
كان الشاب مرتبكاً دائما ويتكلم بسرعة لكى لا يلحظ احد توتراته الداخلية. ظل اسير رغبات العائلة واحلامها بالصعود جاهداً في محاولات اقناع المحيط الغريب من حوله بقبوله. هو الفقير بين ارستقراطية الاسكندرية فى مدرسة فيكتوريا كوليدج ( تخرج منها ملوك وتجار و نجوم، من الملك حسين الى ادوارد سعيد مرورا بعمر الشريف). احلامه كبيرة. متعثرة. لايقدر على شراء بدلة على الموضة ولا حذاء ابيض. يملك فقط خفة الدم ومهارة الرقص. تلك كانت ادواته فى لفت الانتباه وسط محيط الاغنياء المتعجرفين. والحكايات كثيرة عن المواقف التي تعرض لها في محيطه الطبقي ذاك، تذكر بأفلام عبد الحليم حافظ التي لعب فيها غالباً دور الشاب الفقير الذي يريد ولوج مجتمع الاثرياء ومنها انه في احدى المرات كان مدعواً الى حفلة ولكنه لم يستطع الذهاب لان الاختيار كان اما ان يشترى بدلة او أن تشترى اخته فستانا جديدا.
تركت تلك الحكايات أثرها في شاهين وبدا واضحاً انه بذكائه الاجتماعي كان جاهزاً ليتلقف فرصة الصعود البديلة. وتلك تمثلت في الفن والحادثة الشهيرة تروي انه وقف امام صفٍّ من ثلاثين طالباً والقى مونولوغ الملك “ريتشارد الثانى”احد ابطال تراجيديا شكسبير فى لحظة حُكم على الملك فيها بالتنازل عن كل شىء. لعب الشاب بكل اعصابه للسيطرة على المشاعر الهائجة والساخطة وانهى المشهد بدموع ساخنة فاستقبله زملاءه بتصفيق حاد وهو المشهد الذي سيجسده بشكل او بآخر في فيلم السيرة الذاتية الاخير “اسكندرية نيويورك”.
يومها اكتشف الفن وسيلة لاثبات الوجود و اكتشف تأثير المسرح الذي سيظهر في سينماه الاولى خلال الخمسينات. كما اكتشف شكسبير. هكذا تحول الحلم من الارتقاء البطيء في الطبقة البورجوازية عن طريق الوظيفة الثابتة الى التمثيل والنجومية. وهنا استنفرت العائلة كل طاقاتها المالية فباعوا قطعاً من الاثاث والبيانو لكي يركب الشاب الطموح السفينة الى “باسادينا” الاميركية.
الحياة الثانية
في باسادينا، اكتشف انه لا يصلح للتمثيل. ولكنه درس الاخراج وعاد الى مصر التي يحب ان يشبه عودته اليها بعودة بطل فيلمه “ابن النيل” المغامر الذى اكتشف وجه المدينة الشرير وعاد ليبحث عن تحقق فى الريف. هو عاد ليكون مخرجا مصرياً. بعيد عودته، قابل المصور الايطالى الفيزى اورفانيللى الذى فتح الباب امام اول تجربة له :”"بابا امين” ليصبح مخرجاً وهو لما يتجاوز الثالثة والعشرين. بعد الفيلم الاول في العام 1950، توالت افلام عقد الخمسينات كالتالي: “ابن النيل” (1951)، “المهرج الكبير” و”سيدة القطار” (1952)، “نساء بلا رجال” (1953)، “صراع في الوادي” و”شيطان الصحراء” (1954)، “صراع في الميناء” (1956)، “انت حبيبي” و”ودعت حبك” (1957). عن تلك المرحلة وافلامها يقول في حوار خاص (نُشر في جريدة المستقبل): “بابا امين” فيلم عن والدي الذي لم يعرف كيف يتصرف بالمال برغم انه كان محامياً. مع فريد الاطرش “انت حبيبي” اقول انه كان عملاً من اجل المال ولكن ذلك لا يمنعني من القول ان فريد كان شخصاً كريماً بالفعل وان المرحلة التي اخرج فيها الفيلم كانت مؤاتية. انا لم أخف من التنويع ابداً ابن النيل هو الفيلم الذي كنت أود ان ابدأ به مسيرتي السينمائية وقد كتبته اقتباساً

المزيد


يقول المحللون الغربيون-مقال علماني

يوليو 4th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الحداثة, تحليلات علمانية -تستحق القراءة لكنها قاصرة!!!

كلنا أصوليون كلنا متطرفون
آخر تحديث:الجمعة ,04/07/2008

سعد محيو

 

حين يقول المحللون الغربيون إن موجة التطرف الأصولي في المنطقة ناجمة عن أزمة الحداثة، لا يخطئون كثيراً.

أبرز من عبّر عن هذه الحقيقة عبدالرحمن منيف. ففي خماسيته “مدن الملح” قال: “البشر تغيروا الى درجة لم يعد من السهل معها فهمهم. إنهم أصبحوا طرازاً مشوّهاً من المخلوقات، أشبه ما يكونون بإحدى مراحل نمو الضفدع، خاصة المرحلة المتوسطة، حيث لم تعد تربطهم بما كانوه صلة، ولن يحملوا من ملامحهم الحالية شيئا للمستقبل”.

وعن المدن العربية قال: “في وقت، كانت حرّان مدينة الصيادين. أما الآن فلم تعد مدينة لأحد. أصبح الناس فيها بلا ملامح. انهم كل الأجناس ولا جنس لهم. إنهم كل البشر ولا إنسان. الأموال فيها وتحتها لا تشبه أية أموال أخرى، ومع ذلك كل من فيها يركض، لكن لا أحد يعرف الى أين والى متى. تشبه خلية النحل وتشبه المقبرة”.

منيف لا يتحدث هنا عن تغيرات الحداثة بما هي تبدّل

المزيد


مخاصمة الغرب وادعاء الكفاية القومية-مقال علماني جائر

يونيو 27th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , تحليلات علمانية -تستحق القراءة لكنها قاصرة!!!, فن وتزييف وعي المشاهد والقاريء ومسلسلات الهدم

مخاصمة الغرب وادعاء الكفاية القومية

خالد غزال      الحياة     - 22/06/08//

يواجه العالم العربي اليوم واكثر من اي وقت مضى أسئلة تأسيسية تتصل بالتنوير والتقدم وتجديد الخطاب الديني وحقوق الإنسان، وهي اسئلة تستثير تحفظات قوى سياسية وفكرية متعددة المشارب في مجتمعاته. يركز بعض الاعتراضات على مصدر هذه المقولات، أي الغرب. فيما ترى اعتراضات أخرى عدم ملاءمة هذه الأفكار لواقع مجتمعاتنا وتقاليدها وثقافتها، وبالتالي هويتها.
تعود معضلة العلاقة بين العالم العربي والغرب إلى أكثر من قرن. منذ نهاية القرن التاسع عشر، طرح رواد النهضة هذه العلاقة وعالجوا جوانبها الإيجابية والسلبية. يفرض تخلف العالم العربي مجدداً نقاش هذه العلاقة بصفتها واحدة من الضرورات التي تدخل العرب إلى العلم والتقدم والنهضة.
يتسم نقاش هذه العلاقة بوجهتين غالبتين تحمل كل منهما أخطاء في تعيين البوصلة والهدف. تنحو وجهة أولى إلى تحميل الغرب مسؤولية التخلف في العالم العربي من خلال غزوه الاستعماري ونهبه ثروات المنطقة، ومساندته أنظمة استبدادية، وتركيبه أنظمة وسلطات قبلية وعشائرية وطوائفية. أدى هذا المسلك إلى تشويه للثقافة العربية وحضارتها وساهم في طمس الهوية. يشدد أصحاب هذه الوجهة على أن الغرب مستمر في ممارسته السابقة وبشكل أكثر فظاظة ووحشية مما سبق، ويتخذ حجة محاربة الإرهاب لإعادة الاحتلال العسكري إلى المنطقة. تحمل هذه النظرة قوى ذات تأثير وفاعلية، تتمتع بشعبية واسعة. تعبر الحركات الأصولية المتطرفة وبعض القوى السياسية التقليدية عن هذه الوجهة.
في مقابل هذه الرؤية، ترى قوى أخرى أن العالم العربي سيظل محكوماً بالتأخر إذا ما ظل أسير انكفائه وعزلته. يرتبط خلاصه وتقدمه بالاندماج بالغرب، علماً وفكراً وثقافة وقيماً. يستحيل تحقيق المشروع النهضوي العربي من دون مكتسبات الثورة العلمية والتكنولوجية واستقدامها. ولا يتورع أصحاب هذه النظرة عن تسويغ التدخل الغربي بما فيه إسقاط الأنظمة تحت عنوان إدخال الديموقراطية وتحقيق التقدم وسيادة حقوق الإنسان. لذا تؤيد المعركة المفتوحة ضد الإرهاب والحركات الأصولية التي تمثل ارتداداً على عمليات التحديث التي كان العرب قد حققوا بعضاً من منجزاتها خلال القرن الماضي. لا تنطلق وجهتا النظر المشار إليهما من فراغ. تحمل النظرة المتحفظة عن الغرب مبررات ذات أساس تاريخي وراهني أيضاً، كما يكتسب القول بحاجتنا إلى الغرب، بصفته عنصراً مهماً في تقدمنا، شيئاً من الحقيقة. إن إقامة علاقة مركبة مع الغرب تميز بين ما هو مفيد لنا فنسعى إلى استقدامه، وما هو غير مفيد فنتصدى لمواجهته، قد تسمح بالوصول إلى علاقة موضوعية، بعيدة من العقد والأوهام، تصب في النهاية في مصلحة العرب ومشروعهم النهضوي.
بداية، لا بد من الاعتراف بأن القضايا التي تواجهنا في شأن الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان ومواجهة الاستبداد وتحقيق الإصلاح الديني ومكافحة الأمية والفقر والبطالة وإدخال العلم والتكنولوجيا، وسيادة العقلانية في التفكير، ومحاربة الفكر الإرهابي والتكفيري، هي قضايا راهنية وملحة وتطرح على العرب تحديات في الوصول إليها وتحققها. لا ينال من ذاتنا الاعتراف بتخلفنا وعجزنا عن مواجهة هذه المعضلات، والقول تالياً إن انكفاءنا على ذاتنا واستحضار ما لدينا من علوم وفكر وتراث ودين يكفيان لإخراجنا من عنق الزجاجة الذي نقبع داخله. ويشكل الإقرار بتأخرنا ودراسة أسبابه التاريخية، والإقرار أيضاً بضرورة التفاعل مع الحضارات والثقافات الأخرى واحداً من عناصر الخلاص الضرورية. عاشت أوروبا منذ خمسة قرون حالة مشابهة لما يعيشه العرب اليوم، إن لم تكن حالة أكثر تخلفاً ووحشية. ولم تجد أوروبا آنذاك ضيراً في أن تنهل من مكتسبات الحضارة العربية - الإسلامية التي كانت تعيش أوج ازدهارها، فانكب الأوروبيون على المؤلفات الفلسفية وال

المزيد


مخاصمة الغرب وادعاء الكفاية القومية

يونيو 22nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , تحليلات علمانية -تستحق القراءة لكنها قاصرة!!!, مواد لمشروع الاستغراب

مخاصمة الغرب وادعاء الكفاية القومية

خالد غزال      الحياة     - 22/06/08//

يواجه العالم العربي اليوم واكثر من اي وقت مضى أسئلة تأسيسية تتصل بالتنوير والتقدم وتجديد الخطاب الديني وحقوق الإنسان، وهي اسئلة تستثير تحفظات قوى سياسية وفكرية متعددة المشارب في مجتمعاته. يركز بعض الاعتراضات على مصدر هذه المقولات، أي الغرب. فيما ترى اعتراضات أخرى عدم ملاءمة هذه الأفكار لواقع مجتمعاتنا وتقاليدها وثقافتها، وبالتالي هويتها.
تعود معضلة العلاقة بين العالم العربي والغرب إلى أكثر من قرن. منذ نهاية القرن التاسع عشر، طرح رواد النهضة هذه العلاقة وعالجوا جوانبها الإيجابية والسلبية. يفرض تخلف العالم العربي مجدداً نقاش هذه العلاقة بصفتها واحدة من الضرورات التي تدخل العرب إلى العلم والتقدم والنهضة.
يتسم نقاش هذه العلاقة بوجهتين غالبتين تحمل كل منهما أخطاء في تعيين البوصلة والهدف. تنحو وجهة أولى إلى تحميل الغرب مسؤولية التخلف في العالم العربي من خلال غزوه الاستعماري ونهبه ثروات المنطقة، ومساندته أنظمة استبدادية، وتركيبه أنظمة وسلطات قبلية وعشائرية وطوائفية. أدى هذا المسلك إلى تشويه للثقافة العربية وحضارتها وساهم في طمس الهوية. يشدد أصحاب هذه الوجهة على أن الغرب مستمر في ممارسته السابقة وبشكل أكثر فظاظة ووحشية مما سبق، ويتخذ حجة محاربة الإرهاب لإعادة الاحتلال العسكري إلى المنطقة. تحمل هذه النظرة قوى ذات تأثير وفاعلية، تتمتع بشعبية واسعة. تعبر الحركات الأصولية المتطرفة وبعض القوى السياسية التقليدية عن هذه الوجهة.
في مقابل هذه الرؤية، ترى قوى أخرى أن العالم العربي سيظل محكوماً بالتأخر إذا ما ظل أسير انكفائه وعزلته. يرتبط خلاصه وتقدمه بالاندماج بالغرب، علماً وفكراً وثقافة وقيماً. يستحيل تحقيق المشروع النهضوي العربي من دون مكتسبات الثورة العلمية والتكنولوجية واستقدامها. ولا يتورع أصحاب هذه النظرة عن تسويغ التدخل الغربي بما فيه إسقاط الأنظمة تحت عنوان إدخال الديموقراطية وتحقيق التقدم وسيادة حقوق الإنسان. لذا تؤيد المعركة المفتوحة ضد الإرهاب والحركات الأصولية التي تمثل ارتداداً على عمليات التحديث التي كان العرب قد حققوا بعضاً من منجزاتها خلال القرن الماضي. لا تنطلق وجهتا النظر المشار إليهما من فراغ. تحمل النظرة المتحفظة عن الغرب مبررات ذات أساس تاريخي وراهني أيضاً، كما يكتسب القول بحاجتنا إلى الغرب، بصفته عنصراً مهماً في تقدمنا، شيئاً من الحقيقة. إن إقامة علاقة مركبة مع الغرب تميز بين ما هو مفيد لنا فنسعى إلى استقدامه، وما هو غير مفيد فنتصدى لمواجهته، قد تسمح بالوصول إلى علاقة موضوعية، بعيدة من العقد والأوهام، تصب في النهاية في مصلحة العرب ومشروعهم النهضوي.
بداية، لا بد من الاعتراف بأن القضايا التي تواجهنا في شأن الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان ومواجهة الاستبداد وتحقيق الإصلاح الديني ومكافحة الأمية والفقر والبطالة وإدخال العلم والتكنولوجيا، وسيادة العقلانية في التفكير، ومحاربة الفكر الإرهابي والتكفيري، هي قضايا راهنية وملحة وتطرح على العرب تحديات في الوصول إليها وتحققها. لا ينال من ذاتنا الاعتراف بتخلفنا وعجزنا عن مواجهة هذه المعضلات، والقول تالياً إن انكفاءنا على ذاتنا واستحضار ما لدينا من علوم وفكر وتراث ودين يكفيان لإخراجنا من عنق الزجاجة الذي نقبع داخله. ويشكل الإقرار بتأخرنا ودراسة أسبابه التاريخية، والإقرار أيضاً بضرورة التفاعل مع الحضارات والثقافات الأخرى واحداً من عناصر الخلاص الضرورية. عاشت أوروبا منذ خمسة قرون حالة مشابهة لما يعيشه العرب اليوم، إن لم تكن حالة أكثر تخلفاً ووحشية. ولم تجد أوروبا آنذاك ضيراً في أن تنهل من مكتسبات الحضارة العربية - الإسلامية التي كانت تعيش أوج ازدهارها، فانكب الأوروبيون على المؤلفات الفلسفية والعلمية وترجموها إلى لغاتهم، م

المزيد


: هدم الهدم

مايو 27th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , تحليلات علمانية -تستحق القراءة لكنها قاصرة!!!, مقالات عن العلمانية بعضها علماني خرافي وبعضها اسلامي راقي

من هو الأب السياسي والثقافي والتراثي؟!

المستقبل - الثلاثاء 27 أيار 2008 - العدد 2969 - رأي و فكر - صفحة 19

مراجعة: ياسين رفاعية

في عنوان رئيسي “هدمُ الهَدم” وفرعي: “إدارة الظهر للأب السياسي والثقافي” صدر كتاب عن دار الطليعة في بيروت ورابطة العقلانيين العرب، من تأليف د. عبد الرزاق عيد، وهو مجموعة بحوث ودراسات على اختلاف أنواعها، إلا أن هاجسها الأساسي والمحوري هو “الحرية” التي طالما قمعها النظام الأبوي العربي، بوجوهها المتعددة: السياسي والاجتماعي والديني والثقافي والتراثي. هذا الهاجس الذي تراوده رغبة عارمة في إدارة الظهر، لـ”الأب” الوصي على العقل لجعله مجرّد مطمر تُطمر فيه بكل أمان واطمئنان الإجابات المستقرة والمستكينة وراء أسوار قلاع المقدس باسم الدين والتراث تارة، أو باسم الوحدة العربية والبروليتاريا العالمية تارة أخرى.
وبعض هذه الدراسات نشر بالانكليزية لبحث “النظام الأبوي/ حقوق الإنسان” وهو منشور في القسم الأول من الكتاب وبحث آخر تحت عنوان “العلم والتفكير العلمي في الفكر العربي الحديث” أما بقية البحوث فهي مكتوبة باللغة العربية وموجهة لقارئ عربي.
وقد عاد المؤلف الى ما قبل مرحلة الخمسينات من القرن الماضي التي مثلت الزمن التأسيسي لـ”الشرعيات الثورية: الانقلابية والعسكرية ـ الفلاحية الشعبوية”، أي العودة الى زمن الشرعيات الدستورية المدنية الليبرالية الممثلة للنصف الأول من القرن العشرين، التي لم تر البطولة سوى في قدرة العقل على تعقل ذاته في نواميس الطبيعة ذاتها، التي تتمثل في حركية الزمن الحديث وليس في النماذج الثابتة التي تجعل الماضي والمستقبل متزامنين في لحظة الحاضر. هذه العودة الى ما قبل الخمسينات إنما هي عودة من أجل استلهام بطولة زمن النهضة والتنوير العربي، ممثلة في روح البحث والاكتشاف الذي لا تعوقه أو تضعفه ثوابت أساطير الآباء الأولين.
وقد كان التعبير عن هذه البطولة يتهيكل في المنهجية النظرية التي أطلقها عميد الأدب العربي طه حسين، لتشكل روح عصره، هذه المنهجية تتأطر في مصفوفة عمادها أن البحث المعرفي العلمي إنما تكمن بطولته في شجاعته العقلية الاقتحامية القائمة على تحييد أو تناسي كل ما يتصل بالمشاعر الدينية أو القومية عند الإقدام على البحث، في ما سيدعوه طه حسين لاحقاً بمنهجية “هدم الهدم” حسب تعبيره، لكي لا يبقي ثابتاً واحداً لنظام التفكير الأبوي إلا وقد عصفت به إرادة المعرفة وإرادة الحرية. فاستعار المؤلف “هدم الهدم” عنواناً لهذا الكتاب.
واللحظة الأولى في الهدم ـ كما يشير الكاتب ـ هي تحطيم الأصنام. والصنم الأول في البنية التكوينية السيوسيو ـ ثقافية العربية هي صنم النظام الأبوي الذي تتجسد ذروة سنام قهره وكبحه في صورة “الحاكم ـ الطاغية” الذي تتعين في صورته ومثاله كل ظواهر الاستبداد والطغيان السياسي والثقافي والاجتماعي، من هنا، فقد أعلن رولان بارت أن: ملاذ الحرية الوحيد المتبقي هو، بصياغة مخففة “إدارة الظهر” للأب السياسي وهكذا بدأ القسم الأول من الكتاب في مواجهة النظام الأبوي الطغياني من خلال البحث عن حقوق الإنسان.
ويرى الكاتب أن أول من اتخذ من بوابة النظام الأبوي مدخلاً للإطلال على حطام الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي العربي القائم هو الكاتب والأستاذ الجامعي الراحل هشام شرابي. وفي هذا السياق ذاته يتوقف الكاتب عند التجربة المميزة الراهنة لكسر النسق الأبوي الضحولي الشعري الطغياني الذي تكثف في صبغه “شعرنة” العقل والفكر والثقافة العربية، وذلك من خلال الوقوف مع التجربة الشجاعة في اقتحام الجسد الحريمي لتحريره من أنساق ثقافة الأوهام في المجتمع التي قدمها المفكر والناقد العربي السعودي الدكتور عبدالله الفذامي من خلال تبنيه لمنهج النقد الثقافي.
ويعود الدكتور عبد الرازق عيد الى الينابيع الأولى للتوقف عند المثقف العربي الأول الذي اكتشف تعريف المثقف الحديث بوصفه مثقف مجتمع “ماجد” وليس مثقف سلطان “متجمّد” ليتمثله فكراً وممارسة، وهو عبد الرحمن الكواكبي الذي وجّه أول صفعة للطغيان والاستبداد عربياً، بعد أن اكتشف وكشف أنه سر انحطاط الأمم لأنه يشلّ عقل الدولة والمجتمع من خلال تعالق وتشارط الاستبدادين السياسي والديني، فتوقف الكاتب عند

المزيد


التالي