ذروة العولمة" والأزمات العالمية الثلاث

نوفمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الحداثة, فرانسيس فوكوياما وامثاله, مواد لمشروع الاستغراب

جيرمي ريفكن

عن الكاتب

أرشيف الكاتب أضغط هنا

 
 



“ذروة العولمة” والأزمات العالمية الثلاث

نمر الآن بمرحلة غير مستقرة من مراحل التاريخ، حيث نواجه احتمالاً حقيقياً بحدوث كارثة اقتصادية عالمية، على مستوى مماثل لتلك التي حدثت إبان الكساد الكبير في أواخر عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. ومما يفاقم من أزمة الائتمان العالمي الحالية، وجود أزمة عالمية في الطاقة، وأزمة أخرى في المناخ، وهو ما يمكن أن يؤدي بنا في النهاية إلى كارثة للحضارة البشرية ليس لها مثيل من قبل. وهذه الأزمات الثلاث (الائتمان- الطاقة- التغير المناخي) متداخلة فيما بينها بشكل وثيق، وتتغذى على بعضها بعضاً. ومعالجة هذا التهديد الثلاثي لنمط حياتنا الحالي، سيحتاج إلى كتابة رواية اقتصادية جديدة للجنس البشري لديها القدرة على تحويل المصاعب التي نواجهها حالياً إلى فرص.

وأزمة الائتمان الحالية في الولايات المتحدة، والتي تنتشر بشكل حثيث إلى أوروبا وغيرها من قارات العالم بدأت في مطلع تسعينيات القرن الماضي. ففي تلك الفترة، كانت الأجور في الولايات المتحدة راكدة، بل وتميل نحو التناقص ـ وهو وضع استمر لمدة عقد كامل من الزمان قبل التسعينيات. وفي ذلك الوقت أيضاً، واجهت الولايات المتحدة ركوداً 1991 بسبب الانكماش في سوق العقارات الذي كان نتيجة حتمية لتنامي الإنفاق الاستهلاكي بدرجة رهيبة، وذلك بعد أن مكنت بطاقات الائتمان التي كانت متاحة لجميع المستهلكين الأميركيين شراء السلع الاستهلاكية والخدمات بكميات تفوق حاجتهم و إمكاناتهم الحقيقية.

ساعدت “ثقافة بطاقات الائتمان” آنذاك على تعزيز القوة الشرائية. وأعادت المواطنين والشركات والمؤسسات الأميركية مرة أخرى إلى طريق الإنتاج؛ لأن المطلوب في ذلك الوقت، هو إنتاج البضائع والسلع والخدمات كافة، التي يمكن شراؤها ببطاقات الائتمان. وخلال الأعوام السبعة عشر الماضية، كان المستهلكون الأميركيون هم الذين يدعمون الاقتصاد العولمي بمشترياتهم المدفوعة بالفرص الائتمانية المتاحة لهم وليست النابعة من حاج

المزيد


القطيعة الإبستمولوجية في الفكر والحياة

نوفمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الحداثة, مقالات عن العلمانية بعضها علماني خرافي وبعضها اسلامي راقي

القطيعة الإبستمولوجية في الفكر والحياة

المستقبل - السبت 11 تشرين الأول 2008 - العدد 3102 - ثقافة و فنون - صفحة 20

عمر كوش

يدرس هاشم صالح في هذا الكتاب مفهوم القطيعة الإبستمولوجية في الفكر، والكيفية التي تفضي إلى قطيعة سياسية وحياتية، وليس معرفية فقط، معتبراً أن مفهوم القطيعة الإبستمولوجية يحتل مكانة مركزية في ساحة الفكر المعاصر. وقد انتقل هذا المفهوم إلى المجال التداولي العربي واستخدمه بعض المثقفين والباحثين، ولكن من دون أن تجري حوله المناقشة الضرورية. ويعبّر عن خشيته من كون هذا المصطلح قد طُبق بشكل خاطئ أو متسرع. وعليه تزداد المشكلة المستمرة مع المصطلحات والمناهج الأوروبية، إذ غالباً ما يطاول التسرع أو التعسف ميدان التطبيق.
ويتمحور موضوع الكتاب حول فهم كيفية تشكل هذا المصطلح في ساحة الفكر الأوروبي، ومحاولة التعرض له من مختلف جوانبه، وكما تجسد لدى كبار المفكرين الذين اهتموا به أو بلوروه. وعملية الفهم ليست بالأمر اليسير، إذ أن المصطلح نشأ في ساحة العلوم الدقيقة أولاً قبل أن ينتقل إلى ساحة العلوم الإنسانية. ثم استُخدم من أجل بلورة نظريات فلسفية ضخمة لا تزال تشغل الباحثين منذ أكثر من نصف قرن. نذكر من بينها نظرية فوكو في كتابه “الكلمات والأشياء”، أو نظرية ألتوسير عن ماركس الشاب وماركس الناضج، أو نظرية عالم الرياضيات رينيه توم عن “الكوارث”، أو نظرية توماس كهن عن الباراديغمات أو الثورات العلمية. وهي جميعها نظريات قائمة على مفهوم واحد هو مفهوم القطيعة الإبستمولوجية.
وتعتبر المصطلحات العلمية ركائز أساسية لا يمكن للفكر أن يتقدم ويتطور من دونها. ومعلوم أن كبار المفكرين هم وحدهم القادرون علي بلورة مصطلحات خاصة بهم دون غيرهم. ثم يجيء الآخرون ويستخدمونها على إثرهم. ولا يوجد فكر بدون مصطلحات أو ركائز وأعمدة يعتمد عليها لكي يبلور تصوراته وتفسيراته للواقع والتاريخ وكلية الوجود. فمثلا نيتشه اشتهر بمصطلحات معينة، وفرويد بمصطلحات أخرى، والأمر ذاته ينطبق على هيغل وكانط وماركس وديكارت وغاستون باشلار وميشيل فوكو وجيل دولوز وسارتر وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين.
وقد اشتهر فوكو بمصطلح “الإبستميه” الذي بنى عليه كتابه الشهير، “الكلمات والأشياء”، وهناك عدة ابيستمات حسب وجهة نظره، أو أنظمة فكرية، تعاقبت على الحضارة الغربية منذ قرون عديدة وحتى اليوم. فهناك نظام الفكر الخاص بالعصور الوسطى، وهو لاهوتي ديني، وهناك نظام الفكر الخاص بالعصر الكلاسيكي، وهو ديكارتي مثالي، ونظام الفكر الخاص بالعصور الحديثة، وهو كانطي أكثر تقدماً من كل ما سبق. وحين نقرأ نصا لطه حسين أو سواه من المحدثين العرب نفهم أنه ينتمي إلى الفضاء العقلي للعصور الحديثة. وبين العصور الوسطى والعصور الحديثة تكمن قطيعة الحداثة أو ما ندعوه بالقطيعة الإبستمولوجية.
ويبدأ المؤلف بعرض الثورات العلمية الأساسية التي غيرت نظرتنا إلى العالم والكون، وأولها ثورة كوبرنيكوس وغاليلو، ويتوقف عند المنظر الأكبر لهذه الثورة العلمية على المستوى الإبستمولوجي العميق، وهو رينيه ديكارت، ثم ينتقل إلى الثورة العلمية الثانية التي شهدها العلم الحديث على يد إسحاق نيوتن، والتنظير الفلسفي والإبستمولوجي لها المتمثل بالفلسفة الكانطية. وقد شكلت الحداثة الأوروبية قطيعة إبستمولوجية كبرى في تاريخ الفكر الإنساني بدءاً من غاليلو وديكارت وسبينوزا بخروجها جذرياً على المناخ العقلي القروسطي ويقيناته السائدة. فمنذ ذلك العصر راحت أوروبا تقود حركة أنسيّة متفائلة بالإنسان وبقدراته على العطاء والإبداع والتوصل، من دون أن يعني ذلك التمرد على الله من أجل الاهتمام بالإنسان فقط، فالأنسية النهضوية مؤمنة، لا إلحادية، وما اهتمامها بالإنسان إلا لأنه أعظم مخلوق خلقه الله وزوّده بالعقل، على الضد مع إيمان القرون الوسطى التسليمي الاتكالي المشكك بقدرات الانسان وبقيمته. وعلى أساس هذا التصوّر الفلسفي النهضوي اكتشف معنى جديد للحياة، فأصبحت قيّمة بحد ذاتها، ما شكّل الانقلاب المعنوي الأساسي الفعلي لعصر النهضة.
ويعود سبب فشل عصر النهضة العربية وما تلاه يعود إلى عدم التمكن من ت

المزيد


المطلوب الانتصار للعقلانية!-العقلانية الغربية المدمرة مرفوضة

سبتمبر 5th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الحداثة

المطلوب الانتصار للعقلانية!

المستقبل - الجمعة 5 أيلول 2008 - العدد 3068 - رأي و فكر - صفحة 19

مراجعة: عفيف عثمان

محاجة أخرى هي دفاعاً عن العقل، وهنا ثمة تخصيص “العقل الاسلامي”، من خلال نقد المسلمات والبديهيات، ما يذكرنا في المقام الأول بمؤلف محمد اركون “نقد العقل الإسلامي” الذي ترجم تحت عنوان “تاريخية الفكر الإسلامي”، بمعنى تجاوز ما اضفي عليه صفة “المقدس” وهو نفسه يؤكد على عدم وجود مفهوم “القداسة” في الإسلام بالمعنى الموصوف في المسيحية.
المطلوب اذاً الانتصار للعقلانية في وجه السائد من التقليد، والتي يريدها الباحث تحرراً للفرد واستقلالاً للذات، كما ايضا “استخدام نقدي واع للعقل في تعامله مع نتاجات الآخرين”. ولا بد ان تكون البداية من النصوص الاسلامية الأولى: القرآن والحديث. ويحدد لما يسميه “العقلانية الإسلامية” شروطاً لعملها منها الانفتاح والمرونة، ولا يستطيع احداً التفلت من فتنة المقارنة العقلانية الغربية المشبعة نقداً من مفكري وفلاسفة ما بعد الحداث والمذمومة بخلوها من الجانب الروحاني، ذاك الذي يؤمنه الدين الإسلامي بحسب المنتصرين لهذا الأخير.
واذ يرى شعيب إنحياز البعض الى الواقع فانه يخشى ان يؤدي ذلك الى استبعاد شهادة النص والعقل معاً، وهو يوجه سهام نقده هنا تحديداً الى حسن حنفي في فكرته بإعادة ترتيب الأولويات بحيث تكون: القياس، الإجماع، السنة ومن ثم الكتاب، فالمرام عند حنفي بإلحاح هو الاجتهاد بسبب من الواقع المعقد والمتغير. في حين يؤكد الكاتب على ضرورة ان يكون النص حاكماً على الواقع وليس العكس، وفي غياب النص الصريح يضطلع العقل هنا بدور من خلال الإحاطة بروح النص او “الفهم القيمي” له، ما يتجاوز الفهم المجزأ والموضوعي معاً.
يعرض شعيب للقراءات المتعددة التي قاربت النص القرآني وفي الطليعة مقاربة اركون الهافدة الى “إخضاع القرآن لمحك النقد التاريخي المقارن”، والذي لا يميز بين النصوص الإلهية والنصوص البشرية. واذ يرفض الباحث منهج التفكيك المعتمد وله مآخذ عليه ابرزها نهائية المعنى والدلالة، وعاقبة ذلك ايضا القول بان القرآن كان متأثراً بالبيئة التي ظهر فيها الاسلام وبالتالي هو محدود الصلاحية في ما خص المجتمعات الحديثة. وينتج عن تبني المنهج التفكيكي وتطبيقه على النص القرآني نتائج منها: موت الله، بما هو مصدر للقرآن، بمعنى ان دلالة النص لا ترتبط بما يرومه منتجه بل ما يراه ويفهمه القاريء فحسب، واذ يتعدد النص القرآني بتعدد قارئيه نصل الى تعدد القراءات وحتى تناقضها. وتؤدي نظرية التناص الى الخلوص باستفادة القرآن من التراثات السابقة له. وثمة مقاربات اخرى للنص القرآني تتوسل المجاز كما الحال عند نصر حامد ابو زيد وحسن حنفي، وثمة من يلجآ الى التأويل.
ويأتي التفسير ايضا من ضمن استراتيجيات قراءة النص القرآني واتجاهاته كثيرة منها التجزيئي والبنائي والموضوعاتي.
يفهم الباحث الحداثة بمعنى التغيير، وقد يقع في اي زمن، فيدعو الى واحدة تنهض على قيم الاسلام في “عمل نقدي شامل لكل العقلية ال

المزيد


معالم الليبرالية وأخلاقها ورموزها المحليون

سبتمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الحداثة

معالم الليبرالية وأخلاقها ورموزها المحليون
عبد العزيز السماري

 

يشهد المجتمع السعودي حسب وجهة نظري في المرحلة الحالية اختلالاً في مفاهيم المصطلحات الحديثة بسبب مناهضته الدائمة للثقافة والفكر والفلسفة، وهو ما أدى إلى فرز المجتمع عشوائياً في قالبين أحدهما ليبرالي والآخر ديني؛….

…. يدخل في دائرة الليبرالي المثقفون وبعض الكتًاب، بينما يقف تحت مظلة التيار الديني أصحاب الفضيلة المشايخ والعلماء وطلبة العلم الديني والمتدينون من المواطنين، والذي تتحد مواقفهم ضد الليبرالية، ويرفضونها جملة وتفصيلاَ.

لكن الإشكالية في هذه القولبة الهشة أنها مبنية على اعتقاد خاطئ مفاده أن بعض كتاب الزوايا الصحفية والمثقفين هم من يدفع المجتمع للمضي في اتجاه الليبرالية، ومن يحمل راية (اللبرنة) في المجتمع، وهذه مقولة لا تستند إلى دليل، وإذا اتفقنا أولاً أن الليبرالية قطعت شوطاً لا بأس به في المجتمع السعودي، فإن ما يجري من إثارة ثقافية وتفاعل اجتماعي، وما يصدر منهما من مظاهر ليبرالية ليس إلا فعاليات ثانوية على هامش حراك التيار الليبرالي المركزي، وهو القوة الاقتصادية التي تملك الاستعداد لكسر القيود من أجل حريتها التجارية، وتسعى لهدف محدد هو على وجه التحديد الربح المادي، الذي يعتبر جوهر الليبرالية الحقيقية.. التي من المفترض أن تُدرك من خلال فلسفة وتنظير مؤسسيها لا عبر حوار جانبي على هامش الحراك الرئيسي في المجتمع.

الليبرالية كما يجب أن تُفهم من مؤسسيها جيرمي بنتام وستيورت ميل وموريس فلامان هي نزعة موغلة في تجريد القيم الأخلاقية من كل أساس مرجعي متعال، أي من الدين والمبادئ القومية والوطنية، والمبدأ الأخلاقي الوحيد الذي تؤمن به هذا الفلسفة العريقة هو مبدأ المنفعة بمدلوله الخاص الفردي، وهو الخير الذي يؤدي إلى الربح المادي وأطول مدة زمنية من السعادة المادية أو اللذة الفردية. خلاصة الأمر أن الليبرالية ليس لديها أي مرجعية أخلاقية ولا تأبه بالمصالح العليا للمجتمع أو بتأثيراتها السلبية جداً على حياة الناس، بل العكس هو الصحيح إذ تعتبر الدين والأخلاق الدينية والمبادئ القومية والوطنية عائق أمام رغبتها في السيطرة على المجتمع.

يمكن اختزال فلسفة الليبرالية في سيرة دخول جهاز استقبال القنوات الفضائية (الريسيفر) الذي أدخل ثقافات البشر أجمعين إلى منزل المواطن السعودي الذي عُرف بتدينه ومحافظته.. الجهاز واجه في البدء التحريم من قبل بعض علماء الدين، لكن موقف التحريم لم ينجح في إيقاف سيلان لعاب المستهلك المسلم أمام لذة (الريسيفر) وسحره الجذاب على رغم صدور قرار بمنع استيراده، وهذا دليل دامغ أن الاقتصاد يستطيع تكسير القيود بمنتهى السهولة إذا تمتع بالتسهيلات أو الحرية المطلقة.. أي أن التسويق هو رأس حربة الليبرالية التي تعد المستهلك اللذة والمنفعة مقابل الربح المادي. هذا المثال يحكي رمزياً قصة الليبرالية في المجتمع السعودي، وشاهد على أن كتاب الزوايا الصحفية لم يكن لهم دور في بدء دروان عجلة الليبرالية في المجتمع، وأن إمبراطورية الاقتصاد الحر واستثماراتها في الإعلام والاتصالات والبنوك كانت ولا زالت المحرك الحقيقي لتيار الليبرالية القوي.

قصة البنوك تحكي انهيار أحد أهم خطوط دفاع المجتمع أمام المد الليبرالي، ولو عدنا بالذاكرة إلى الثمانينيات، وهي مرحلة كانت الناس خلالها تمتنع عن الاقتراض من البنوك لأنها قروض ربوية محرًمة، وكان وقتها حجم ديون الأفراد ضئيلاً، وكانت شدة حرمة الربا الحصن الذي دافع عن مدخرات المواطنين آنذاك، لكن كيف استطاعت البنوك (الليبرالية) تجاوز هذا العائق في زمن كان يحرم فيه عمل رجل الأمن على

المزيد


مقولات ثقافية جديدة لعولمة أكثر إنسانية

سبتمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الحداثة, مقالات عن العلمانية بعضها علماني خرافي وبعضها اسلامي راقي

مقولات ثقافية جديدة لعولمة أكثر إنسانية

المستقبل - الجمعة 29 آب 2008 - العدد 3061 - رأي و فكر - صفحة 19

مسعود ضاهر

تدور حوارات فكرية بين نخبة متميزة من أفضل الباحثين المهتمين بدراسة مستقبل العولمة على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية وغيرها. وتلعب المقولات الثقافية في عصر العولمة دوراً أساسياً في معالجة التبدلات المتسارعة على الساحة الدولية. ويدور نقاش مستفيض حول مواقف الأمم المتحدة والدول الكبرى لمعالجة مشكلات التوتر التي تنفجر في مناطق متعددة من العالم، خاصة في الشرق الأوسط، والقوقاز، وأفغانستان. وهي تطول وحدة الدولة واستقلالها في عصر العولمة، وقضايا الأقليات والمجتمعات المتعددة القوميات والأديان والثقافات، ومشكلات السلاح النووي، والتوجه المستجد نحو انفصال بعض المناطق عن الدولة المركزية، وكثير غيرها.
عالمياً، تعيش الدول الكبرى اليوم هاجس التخطيط لتوسيع مجلس الأمن، وإعادة الاعتبار للأمم المتحدة، وضرورة استنباط مقولات جديدة لبناء عولمة أكثر إنسانية. ويتمحور النقاش حول ضرورة استنباط مقولات ثقافية جديدة لمعالجة المشكلات الدولية القائمة. وترفض بعض الأطراف الفاعلة في النظام العالمي الجديد مبدأ استخدام القوة الذي تمارسه الإدارة الأميركية وبدأت بتطبيقه فعلاً في العراق وفلسطين، وتهدد بتعميمه على إيران، وكوريا الشمالية، و”الدول المارقة” في الشرق الأوسط. فهذا المنحى لا يشكل مدخلاً للسلام والإستقرار في العالم، بل يقود إلى سلسلة من التفجيرات التي لن تنجو منها جميع الدول، الصغيرة منها والكبيرة. كما أن بعض الدول الكبرى، خاصة روسيا، بدأت تسير في الخط عينه للدفاع عن مصالحها وفرض نفوذها بالقوة العسكرية على المناطق المجاورة لها.
بالمقابل، تشدد قوى أخرى في النظام العالمي الجديد على ثقافة السلام والحلول الدبلوماسية في بناء عالم جديد تسوده العدالة الإجتماعية والإحترام المتبادل بين الشعوب. وهي تعمل على توحيد الدول الأوروبية والآسيوية بالطرق السلمية وذلك بهدف تجاوز التاريخ الدموي الموروث بين بعض الدول، وبشكل خاص بين ألمانيا وفرنسا من جهة، واليابان وكل من الصين وكوريا من جهة أخرى. وبدا واضحاً أن الباحثين الديموقراطيين في العالم كله يعطون أهمية قصوى لصياغة مشروع ثقافي عالمي يشكل قاعدة صلبة لعملية التوحيد السلمي التي تواجه صعوبات هائلة في المرحلة الراهنة. ومن المتوقع أن تزداد حدة الأزمات بقدر ما تنجح بعض الدول الكبرى في الوصول إلى مشاريع عمل مشتركة تمهد الطريق لإعلان حلول سلمية للمشكلات القائمة على المستوى الكوني.
كان نموذج التوحيد الأوروبي السلمي حاضراً بقوة في تلك النقاشات لأن تجربة توحيد أوروبا قد استغرقت قرابة النصف قرن. علماً أن المقولات التي استخدمت في توحيد أوروبا كانت متجانسة مع تطور بناها الداخلية والإقليمية والدولية، إلا أنها غير قابلة للتعميم لأسباب موضوعية. فالشعوب الأوروبية ذات ثقافات متشابهة منذ قرون طويلة. ونظرا لكثرة الحروب التي إندلعت في القارة الأوروبية ومحاولات توحيدها بالقوة خاصة مع نابوليون بونابرت وهتل

المزيد


الفهم الجديد للنصوص!

يوليو 28th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الحداثة, مقالات اسلامية ومواضيع محتارة, مقالات عن العلمانية بعضها علماني خرافي وبعضها اسلامي راقي, مقالات فكرية مختارة يوميا من جميع الجرائد

الفهم الجديد للنصوص!

الشيخ محمد بن صالح المنجد
مقالات للكاتب
تاريخ الإضافة: 24/07/2008 ميلادي - 20/7/1429 هجري
زيارة: 188     



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته.
وبعد،
فموضوعنا في هذا المقام عظيم وخطير والله، إنَّه يَمَسّ الدين، إنَّه يُتعلق بالنجاة، فإنَّ الله تعالى قد أوحى إلى نبينا صلى الله عليه وسلم هذا العلم من الكتاب والسنَّة، {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}، وفي الوقت الذي يهدي به كثيرًا يضل به كثيرًا، وما يضل به إلا الفاسقين، إلا أهل الهوى، إلا أهل التحريف.
النص الشرعي بنوعيه: القرآن والسنَّة أساس الدين، فلا مصدر للأحكام، ولا أساس للشريعة إلا هذا الوحي المتعبد بتلاوته القرآن، وغير المتلوِّ وهو السنَّة، فالمتلوُّ كلام الله وكتابه العزيز: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه}، محفوظ من التحريف والزيادة والنقصان والخلق، حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، يُخرج الله به من شاء من الظلمات إلى النور، جعله الله حكمًا بين الناس ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} موضحًا فيه الحلال والحرام، أصول الدين وفروعه بجلاء، لا أحسن، ولا أحكم، ولا أقوم من هذا الكتاب.
والوحي غير المتلو سُنَّة محمد صلى الله عليه وسلم {ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى}، هو راشد مهتدٍ، صادق لا يفعل إلا حقًّا، ولا يقرر إلا عدلًا، سنته هي الحكمة {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما}.
قال الشافعي – رحمه الله –: ((ذَكر الله الكتاب وهو القرآن، وذَكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقولون: الحكمة: سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم))، هذا الكتاب القرآن، وهذا شرحه في هذه السنَّة، لا فرق بينهما في الحجية والعمل.
وعلى هذا النَّهج سارت قرون الأمة الخيِّرة، تُقدم النص وتقدسه، تفهمه وتعمل به ولا تعدل عنه، ولمَّا عرف أعداؤنا مصدر عزتنا وقوتنا - وهو هذه النصوص من الكتاب والسنَّة - أغاروا عليها وخطَّطوا من أجل حرفِنا عنها، وأن نعدل عنها، اجتهدوا في الطعن في القرآن والسنَّة لسلخ المسلمين عن هذين المصدرين العظيمين، وباءت محاولاتهم بالخسران والفشل، لم تلقَ على مرِّ العصور آذانًا مصغية من جمهور المسلمين، زاغ من زاغ، وضل من ضل، ولكن بقي أكثر الجسم الإسلامي سليمًا من نتائج هذه المحاولات للإسقاط، فبقيت الهيبة في النفوس، بقيت الهيبة لهذا الدين، ما أكثر المقبلين على القرآن، حتى في بلاد أوروبا التي أنتجت الرسومات المسيئة، والأفلام المشوهة، زاد الإقبال على القرآن، ونفذت قبل أيام نسخ إلكترونية من المعاني المترجمة للقرآن في هولندة، وأشهَرَ أُناسٌ إسلامهم، إقبال.
لما رأى أعداء الدين عزة هذين المصدرين في نفوس المسلمين تحيروا في أمرهم، وغلت بالحقد قلوبهم، وهاج الحسد في نفوسهم، فأمعنوا النظر، وقلَّبوا الفكر وسلكوا السبل، عقدوا الاجتماعات، وعصفوا أذهانهم لينظروا ماذا يعملون، فخرجوا فيما خرجوا به من المؤامرات ببدعة: إعادة قراءة النص، وفتنة: القراءة الجديدة للنص.
دعوة قد أطَّلت علينا في هذه الأيام، مع أنَّ لها سلفًا من الباطنية وأهل الضلال والزيغ في الماضي، لكنها لبست لبوسًا وأقبلت تُطل بقرونها، لما أدرك هؤلاء الأعداء أنَّ الله تكفل بحفظ نصوص الوحيين، وأنَّ كل محاولات تحريف القرآن اللَّفظي باءت بالفشل، وكل محاولات الدس والطعن في السنَّة، ووضع الأحاديث المكذوبة باءت بالفشل.

ماذا سيعملون؟!

استسلموا من جهة عدم إمكانية تحريف القرآن والسنَّة - تحريف اللفظ - لأنَّ الله تكفل بحفظه فكيف سيغلِبون الله؟!! لا يستطيعون، فقالوا: تحريف المعنى، هذا قصدنا، هذه طريقتنا الجديدة، ومؤامرتنا في القديم والحديث الآن، فتنة تطل عبر الصحف والمواقع، والقنوات والمجالس: القراءة الجديدة للنص، الفهم الجديد للكتاب والسنَّة، وهكذا، تحريف الكلم عن مواضعه، حتى صارت اليوم القضية ظاهرة خطيرة، ومنهجًا دخيلًا، وزيفًا فكريًّا، ومؤامرة رهيبة، تُحاك: قراءة معاصرة، قراءة حذفية.
وواجبنا الدفاع عن القرآن والسنَّة، {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} ، قامت هذه الدعوة على أيدي أُناس يتظاهرون بالانتساب إلى الدين، ويتسمون بالمفكرين الإسلاميين؛ لتلقى رواجًا عند بعض المثقفين والعامة، تقدمت هذه المؤامرة داخل البيت الإسلامي، لم تأتِ من الخارج تمامًا كما فعل المستشرقون، وإنَّما أذنابهم وتلاميذهم المتأثرون بهم، السائرون على دربهم، من داخل البيت الإسلامي يعبثون، بالنصوص ويحرفون، يفرغونها من معناها الحقيقي، وبالباطل يستبدلون، يطرحون أفكارهم وآراءهم على أنَّها رؤى إسلامية، وعلى أنَّها فهم جديد للنص، وهو تحريف وتغيير لما أراد الله، وما أراده رسوله صلى الله عليه وسلم.
لقد حدثنا نبينا صلى الله عليه وسلم عنهم، فقال: ((دُعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليه قذفوه فيها))، قال حذيفة: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: ((هم من جِلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا))، رواه البخاري ومسلم. يستشهدون بذات النصوص، يأتون بالأدلة بالآيات بالأحاديث، لكن الفهم غير، التفسير مختلف، المعنى مغاير لما قاله الصحابة والتابعون وسلف الأمة وعلماؤها.
بدأت هذه الفتنة تتنامى في عالمنا الإسلامي، وتتلقفها هذه الصحف المغرضة، هذه الأقلام المسمومة تكتب، ووسائل الإعلام تنشر، المقابلات تِلو المقابلات والدِّعايات، وتُفتح السُّدد لأصحابها، المعارض والقنوات من مختلف الأقطار: عصرانيون، حداثيون، ليبراليون، ليبروإسلاميون، وبالفلسفة متشبعون، ومن لسان الغرب قد ارتضعوا يفسدون، لا يكاد يخلو منهم بلد، فظهر في مصر: نصر حامد أبو زيد، وجمال البنا، وحسن حنفي، وفي السودان: محمود محمد طه، وحسن الترابي، وفي الشام: محمد شحرور، والطيب تيزيني، وفي تونس: عبد المجيد الشرفي، ومحمد الشرفي، وفي المغرب: محمد عابد الجابري، وفي فرنسا: محمد أركون جزائري الأصل، وتبعهم الكتاب في الدول العربية وفي الخليج، وفي أنحاء من العالم الإسلامي يفسدون في الأرض، ويريدون أن يعيثوا فسادًا في الكتاب والسنَّة.
ومن الأخبار القريبة: جامعة أنقرة تعد القيام بمراجعة شاملة للأحاديث النبوية؛ لأنَّ الأحاديث غالبًا ما تكون لها مضامين تؤثر سلبًا على المجتمع!! يقول أنصار هذه المراجعة: ((إنَّ الأصول العقلانية للإسلام يتم اكتشافها الآن من جديد، وبعض الأحاديث الصحيحة يتم تعديلها ويتم إعادة تفسيرها))، ويقول محمد جرميز: ((إن هناك أحاديث تمنع النساء من السفر أكثر من ثلاثة أيام بغير إذن أزواجهن، وهي أحاديث صحيحة، لكنها ليست منعًا دينيًّا؛ بل جاءت لأنَّ السفر في زمن الرسول كان أخطر مما هو اليوم، لكن الأمور تغيرت، والناس أبقوا على تعليمات لم يكن مقصودًا منها إلا حماية النساء مؤقتًا))، لننتبه: الولي والمحرم هذه حماية مؤقتة، كانت في زمن فيه السفر خطير، والآن تغيرت الأوضاع، وتغير نمط السفر فسقط الولي، وسقط المحرم، وسقط ذلك المعنى للنص الذي يحذر السفر بغير محرم.
ويقول آخر: ((الخنزير كان محرمًا؛ لأنَّه كان يتناول القاذورات، فلما صاروا يطعمونه في مزارع أوروبا أطعمة نظيفة فهو حلال اليوم))، الخبير البريطاني فادي من مؤسسة شاتام هاوس في لندن يقول: ((إنَّ ما يحدث الآن في المؤسسات العلمية في الجامعات هو تحويل الإسلام من دين تجب طاعة تعاليمه إلى دين مصمم لتلبية حاجيات الناس في الديمقراطية العلمانية الحديثة، وإنَّ بعض كليات الشريعة في أنحاء من العالم الإسلامي يجري فيها استخدام تقنيات النقد والفلسفة الغربية في التعامل مع الحديث)). موقع الـ BBC. 
يريدون دينًا آخر، يريدون طريقة أخرى، انتهاج سياسة بني إسرائيل في تحريف الكلم عن مواضعه:

لا  تحذُ  حذو   عصابة   مفتونة        يجدون  كل  قديم  أمرا  منكرا
ولو استطاعوا في المجامع أنكروا        من مات  من  آبائهم  أو  عمرا

حمل هذا الاتجاه شعارًا هو الأخطر: إنَّه شعار التحديث للإسلام، وعصرنة الإسلام، وإعادة فهم الإسلام من جديد، تركٌ لما كان عليه سلف الأمة، وأخذٌ بزبالات الأذهان التي أنتجتها عقولهم العفنة، وهكذا نجد أنَّ من أسباب نشوء هذه الفكرة في هذا المنهج الخبيث: مسايرة الواقع، ضغوط الأعداء، الافتتان بالحياة الغربية، وخاصة بما فيها مما يصادم من نصوصنا الشرعية.
ولذلك لما قال الضال محمد أركون عن كيفية التعامل مع النصوص الواضحة غير المحتملة مثل قول الله – عز وجل –: {للذكر مثل حظ الأنثيين}، قال: في مثل هذه الحالة لا يمكن فعل أي شيء.
يقول الآن العالم: للذكر مثل الأنثى إيش نسوي في الآية؟ المشكلة الآية فيها صراحة واضحة تمنع محاولات إعادة التفسير {للذكرمثل حظ الأنثيين}، ماذا نفعل مع هذا النص؟! ورطة!! قال: لا يمكن فعل أي شيء إلا إعادة طرح مسألة التفسير القرآني! أعيدوا تفسير القرآن!! لا يمكننا أن نستمر في قبول أن لا يكون للمرأة قسمة عادلة!! يُتهم الله بالظلم!! يقول: لا يمكن نقبل أن لا يكون للمرأة قسمة عادلة، فعندما يستحيل التكيف مع النص ينبغي العمل على تغييره، (أجرت الحوار مجلة لونوفيل الفرنسية).
ثم من الأسباب لهذه المنهجية المنحرفة التأثر بالمدارس الغربية والدراسة في الغرب، والجهل بالشريعة واتباع الهوى والتنازلات؛ لأنَّ الناس الآن تريد دينًا سهلًا، فيقدمون لهم تفسيرًا جديدًا لا يتنافى مع أهوائهم، صعب عليهم التمسك بالأحكام، فلا بد من الإتيان بأحكام جديدة تُفهم على طريقة جديدة من ذات النصوص، حذَّرنا الله في كتابه من هذه المنهجية المنحرفة، فقال: {يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}، سلفهم يهود.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أنَّ هذه الأمة تتبع من كان قبلها حذو القُذَّة بالقُذَّة، كان لا بد أن نتوقع أن ينشأ في هذه الأمة من يسير على منوال يهود، والمحرفين من بني إسرائيل في تحريف الكلم عن مواضعه. ولقد عرف التاريخ فِرقًا وأفرادًا سلكوا هذا المسلك في تحريف النصوص كالمعتزلة والخوارج والفرق الباطنية وبعض المتصوفة، وباب التأويل عريض، دخل منه الزنادقة لهدم الإسلام، وحمَّلوا الآيات والأحاديث من المعاني ما لا تحتمله.
قال بشر المريسي: ((ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن، فأقِّروا به في الظاهر ثم صرفوه في التأويل))، دبروا له صرفة في المعنى والتفسير، مانعو الزكاة قالوا: الآية تقول: {خذ من أموالهم} يا محمد صلى الله عليه وسلم {صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، وبما أنَّه مات سقطت الزكاة؛ لأنها خاصة به.
القرامطة الباطنية: فسروا الصيام: بكتم أسرار الطائفة، والحج: بالسفر إلى شيوخهم، والجنة: بالتمتع باللَّذات في الدنيا، والنار: بالتزام الشرائع والدخول تحت آثارها وأغراضها، لأنَّهم لا يُقرُّون بالقرآن، لا يقرون بالجنة والنار، باطنية الفلاسفة فسروا الملائكة: بقوى النفس الطيبة، وفسروا الشياطين: بقوى النفس الخبيثة، وقالوا: لا يوجد جنة ولا نار، بل كانت هذه من باب حمل الناس على فعل الخير وترك الشر، ولذلك وصفنا لهم أوصاف في الجنة من باب تحفيزًا لفعل الخير، فلا في جنة، ولا في ميعاد أصلًا، وكذلك النار حتى الناس تخاف وما تعتدي وما تسرق ولا تقتل، وهكذا.
والمعتزلة {وكلم الله موسى تكليما}، قالوا: كلََّّم من التكليم يعني: التجريح – الكلِم: الجرح – كلمه تكليمًا أي: جرحه بأظافير الحكمة!!
غلاة الصوفية: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}، يعني: حتى تصل لمنزلة اليقين، فتسقط عنك التكاليف، فينبغي إعادة قراءة للنص.
وقال بعضهم في قوله: {وإلى السماء كيف رفعت}: إلى الأرواح كيف جالت في الغيوم، {وإلى الجبال كيف نصبت}: إلى قلوب العارفين كيف أطاقت حمل المعرفة الإلهية.
وسئل بعضهم عن الحجة في الرقص؟ قال: قوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها}، وقال بعض الباطنية في قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة}: عائشة، {مرج البحرين يلتقيان}: علي وفاطمة، {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان}: الحسن والحسين، {والشجرة الملعونة فِي القرآن}: بنو أمية، وانت ماشي – إعادة قراءة للنص!! – وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّه لا نبي بعدي)) قالوا: بشَّر بنبي اسمه لا.
وفهموا ((من بدل دينه فاقتلوه)) قالوا: من بدَّل دينه من اليهودية إلى الإسلام، أو من النصرانية إلى الإسلام فاقتلوه – إعادة قراءة للنص!! معنى جديد للنص!! – تحريف النصوص الشرعية لم ينقطع عبر الزمن.
الباطنية الجهمية هذا مسلكهم هكذا فعلوا، والآن اللاحق يسير على منوال السابق، وعلى طريق الأسلاف تمضي قافلة الزنادقة من الباطنية الجدد ..

تقوم دعوتهم على أسس منها:

أولاً: القول بالظنِّية المطلقة لدلالة النص الشرعي، هذا الموجود في معارض الكتاب، كتب والناس تشتري وتدخل، ماذا يوجد فيها؟ يقولون: النصوص الشرعية من الكتاب والسنَّة ظنية، الدلالة غير قطعية فيها، النص الشرعي ظني الدلالة، فإذًا بما أنَّه غير قطعي فالفهم هذا غير ملزم، ظاهره غير ملزم بالنسبة لنا.
ولذلك فإنَّ هذا الفهم لا يصح أن يُحترم، ويقال: لا تأتوا بخلافه؛ لأنَّه ظني غير قطعي الدلالة، القرآن عندهم كما يقول أركون: ((القرآن نص مفتوح على جميع المعاني، ولا يمكن لأي تفسير أو تأويل أن يغلقه أو يستنفذه بشكل نهائي)) هذا في كتابه “تاريخية الفكر العربي الإسلامي” [ص: 143]، بل يدعو أركون إلى أنَّ من حق كل فرد أن يفهم القرآن على حاجات عقله، وأن يفسره بحسب أحواله ومقتضياته وحاجاته، وأنَّ من حق كل فرد أن تكون له قراءته الخاصة للنَّص، فلا يلزم أن تروح للعالم أو تسأل أهل الذكر، ولا تنظر ماذا قال ابن عباس أو السلف، كل واحد يفهم حسب حاله وحسب وضعه، وهكذا يريدون أن ينتهوا إلى حرية مطلقة لا يحتكم فيها إلى قانون معين، ولا إلى مثلًا: ما أجمعت عليه الأمة أو الصحابة أو التابعون أو القرون الثلاثة، ما في مرجعية في قضية الفهم، كل واحد حر يفهم كيف يشاء.
ويقول أيضا في كتاب “الفكر الأصولي واستحالة التأصيل”: ((إنَّ القراءة – يعني قراءة النص الشرعي – التي أحلم بها هي قراءة حرة))، هذا هو الذي يكتبه الآن هؤلاء الكتاب في الصحف وهم يقتبسون، هذا نبي، فما ترى من كتابات هؤلاء على درجات متفاوتة هو من هذا الباب، داخل في هذا الباب، ما يكتبه بعض هؤلاء الكتاب اليوم في الجرائد هو من هذا الباب، يقول: ((إنَّ القراءة التي أحلم بها هي قراءة حرة إلى درجة التشرد والتسكع في كل الاتجاهات، إنَّها قراءة تجد فيها كل ذات بشرية نفسها))، فيرفعون شعار: النص مقدس والتأويل حر، طيب هو ما يمكن أن يجحد القرآن؛ لأنَّه سيقول الناس أنت كافر، تجحد بالحديث أنت كافر، إذًا ما هو الحل؟ أن يكون القرآن مقدس، والحديث مقدس، لكن الفهم حر، افهم كما تشاء، هذه نظرية جديدة.
فكلمة الجيب في قوله تعالى: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}، ممكن أن يفهم منها شخص معنى، وشخص ثاني معنى آخر، وشخص ثالث معنى ثالث، وكل واحد له قراءته، وكل واحد فهمه غير ملزم للآخر، فمثلًا شحرور هذا الضال يقول: ((الأجزاء بالمرأة التي تُلزم بتغطيتها وتحجيبها هي الجيب))، وإيش هو الجيب عنده؟! كل ما له طبقتان – أي: ما له طبقتان فهو جيب – وبناء عليه يقول: ((الفرج والأليتان والإبط والثديان، يقول: هذا الذي يجب تغطيته)) {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} طيب يا غبي: الفم وشه طبقتان، والعين ما هي؟!
وآخر يفسر قوله تعالى: {خلقكم من نفس واحد وخلق منها زوجها}، قال النفس الواحدة: البروتون وزوجها الإلكترون، “القرآن والعلم الحديث” عبد الرزاق نوفل فينبغي إعادة قراءة للنص!! السلف ما كانوا يعرفون الإلكترون والبروتون، الآن تطور العلم، الآن نحن نعيد تفسير القرآن والسنَّة على حسب المكتشفات المعاصرة، ولو مشينا على هذا المنهج فماذا ستتوقعون؟ إلى أين سنصل أيها الإخوة والأخوات في إعادة قراءة النص؟ إذًا سيعاد كما فعل الباطنية، تفسير الصلاة يعاد، تفسير الصيام يعاد، تفسير الزكاة يعاد، تفسير الحج يعاد، وكل يفسر على طريقته الخاصة، وبالتالي: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، ((خذوا عني مناسككم))، هذا كله سيسقط، وكل واحد يصوم كما يريد.
ويقول عبد المجيد الشرفي وهو من أنبيائهم – أنبياء الزور والبهتان –: ((الحرية للمسلم يتعبد بالصيغة التي يراها أنسب وأفضل)) فهذه النصوص عندهم لا يتحصل من معناها شيء يضبطه قانون، فإذا كان القرآن كتابًا مفتوحًا على جميع المعاني إذًا ما في سبيل واحد للمؤمنين، وبالتالي {ومن يتبِع غير سبيل المؤمنين نول ما تولى ونصله جهنم}، ليس لها قيمة.
ولكل إنسان أن يفهم ويطبق، وبالتالي حتى لو أردت أن تستخرج كل الاختراعات الطبية والمكتشفات الهندسية والجيولوجية والبيولوجية طلع، {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن}، ولو حصل العمل بهذه الطريقة لانهدمت الحياة، فلا يريد هؤلاء في النهاية إلَّا تحطيم الإسلام، كيف سنعمل بالأوامر والنواهي على ضوء الطريقة الجديدة هذه؟! ماذا سنعمل بالشرائع والأحكام والعبادات التي جاءت؟!
لو قدَّم أحد أصحاب هذه الفكرة لتلاميذه في الامتحان قصيدة المتنبي في مدح سيف الدولة، ثم خطر للتلاميذ أن يفسر كل واحد منهم قصيدة المتنبي في مدح سيف الدولة بقراءة عصرية حديثة، فكتب تلميذ في ورقة الامتحان: هذا هجاء مقزع، وأوَّل كلام المتنبي كله على الاستعارة التهكمية، يعني ذق إنك أنت العزيز الكريم، إن أصل كلام المتنبي كله عشق من باب الاستهزاء والسخرية، مدح في صورة سخرية، وكتب زميل آخر من التلاميذ في الورقة: هذا غزل رقيق، المتنبي أسقط على سيف الدولة صورة الأنثى التي لم يجدها في الواقع، إعادة قراءة النص بطريقة الإسقاط، وآخر ثالث قال: هذه قصيدة في الفخر، المتنبي يريد أن يفتخر بنفسه والثنائية متوهمة؛ لأنَّ في الحقيقة ما في غير شخصية واحدة في القصة، وسيف الدولة غير موجود، وفي الحقيقة المتنبي يمدح نفسه على قاعدة أو مذهب الأنا الأخرى، أنا يعني: مذهب فلسفي أوروبي، ورابع قدم الورقة بيضاء، ولا يمكن للأستاذ أن يعطيه صفرًا ولا أن يوبخه؛ لأنَّ لهذا الطالب أن يقول: إنَّ سكوتي هو تعبير استفزازي حداثي على الثورة على كل نص تراثي، ورفض لكل الإسقاطات العصرية التي جاءت في شاعرية المتنبي، هذه الفوضى، وهذا الدمار الذي يريدون أن يخرجوا إليه.
إنَّ الله عز وجل أنزل القرآن بلسان عربي مبين، واللَّغة لها معاني واضحة، والعرب استعملت الألفاظ في شعرها ونثرها بمعاني معينة، والقرآن نزل بلغتهم، وهذه السنَّة بلغتهم، والجدار يعرف معناه، والخشب يعرف معناه، والأسد يعرف معناه، وهكذا. فإذا أردت أن تجعل الفهم لهذه النصوص فوضويًّا لهذه الدرجة فما قيمة النص الإلهي، وأيّ قانون إذًا يريد الله من البشرية أن تسير بموجبه؟ ومن سيكون المكذب والمعرض والعاصي إذا كان كل واحد يفهم ويفسر القرآن والسنَّة على حسب هواه ويعمل بموجب ذلك.
ثانيًا: ط

المزيد


الملحدون الجدد.. وثائق خطيرة عن قضايا ازدراء الأديان في مصر

يوليو 28th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الإسلام وحملات الإساءة‏, الحداثة, مقالات عن العلمانية بعضها علماني خرافي وبعضها اسلامي راقي

الملحدون الجدد.. وثائق خطيرة عن قضايا ازدراء الأديان في مصر

أحمد أبو زيد
مقالات للكاتب
تاريخ الإضافة: 16/07/2008 ميلادي - 12/7/1429 هجري
زيارة: 357     



ضالون مرضت قلوبهم وفسدت عقيدتهم

فصاروا أئمة للعبث والضلال والفجور والإلحاد

الملحدون الجدد.. وثائق خطيرة عن قضايا ازدراء الأديان في مصر


•     •     •     •     •

ازدراءُ الأديان والطعنُ في الذات الإلهية عبرَ الروايات الأدبية والكتابات الصحفية والكتب والمؤلفات.. ظاهرةٌ من أخطر الظواهر التي انتشرت في الآونة الأخيرة وشغلت الرأي العام المصري والعربي والإسلامي.
وقد تصدى الكاتبُ الصحفي المصري (جمال عبد الرحيم) لرصد هذه الظاهرة من خلال القضايا التي تداولتها المحاكم المصرية، حول من وقعوا في شراك هذا الجرم العظيم، وصدرت ضدهم أحكام قضائية.. وذلك في كتابه الذي صدر بالقاهرة تحت عنوان (الملحدون الجدد)، ويتضمن وثائقَ خطيرةً ومعلوماتٍ مثيرةً عن أهم قضايا ازدراء الأديان في السنوات الأخيرة، والتي اتفق فيها علماءُ الأزهر الشريف ورجالُ القضاء على إدانة مرتكبيها لتطاولهم على الذات الإلهية، واعتدائهم على الأنبياء والرسل وسخريتهم من المقدسات الإسلامية بدعوى حرية الرأي والفكر.
• خمس قضايا:
ويضم الكتاب خمس قضايا:
الأولى: بطلها الدكتور نصر أبو زيد، الذي تم التفريق بينه وبين زوجته بحكم قضائي نهائي من محكمة النقض في مصر، وإبعاده عن التدريس لطلاب جامعة القاهرة.

والثانية: عوقب فيها صلاح الدين محسن، عضو اتحاد الكتاب بالحبس ثلاث سنوات، ومصادرة مؤلفاته التي تحوي تطاولا غريبًا يشبه الجنون على الدين الإسلامي والقرآن الكريم.

والثالثة: عوقب فيها علاء حامد، الموظف السابق بمصلحة الضرائب المصرية بالحبس 9 سنوات بسبب روايته (مسافة في عقل رجل.. محاكمة الإله) وروايات أخرى مشابهة.

والرابعة: مصادرة رواية (وليمة لأعشاب البحر) للروائي السوري حيدر حيدر التي نشرتها وزارة الثقافة المصرية على نفقة الدولة.

والخامسة: ضمت 87 شابا وفتاة من أبناء المشاهير اتهمتهم النيابة بعبادة الشيطان وتقديسه.
• مسلسل قديم حديث:
في مطلع الكتاب يؤكد المؤلف أن التطاول على الذات الإلهية والاعتداء على الأنبياء والرسل والهجوم على الإسلام وامتهان القرآن الكريم قديم قدم الإسلام ومنذ نزول الوحي على نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم– واستمر مسلسل الهجوم على الإسلام عقب دخول المسلمين الأندلس، ثم مع الحروب الصليبية، وتجدد هذا المسلسل مع الصحوة الإسلامية بمخطط استعماري صليبي للنيل من حضارة الإسلام، بعد أن بدأت الحضارة الغربية في الانهيار.
فقد سعى الصليبيون بجميع الوسائل لإبعاد المسلمين عن دينهم عن طريق محاربة القرآن وتشويه أحكامه والطعن في الرسول –صلى الله عليه وسلم– وتشويه سيرته، ووصف الإسلام بالإرهاب، والاستعانة بالمستشرقين، ونشر العلمانية بين المسلمين، لإبعاد الإسلام عن مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولقد انتشرت الاعتداءات والتطاولات على الإسلام في المرحلة الأخيرة بصورة كبيرة ومرعبة، بل تحولت إلى ظاهرة خطيرة تحتاج إلى دراسة وتحليل، لمواجهتها والتصدي لها، حفاظا على الدين الإسلامي والعقيدة الإسلامية، خاصة بعد أن اتخذ دعاة التنوير من حرية الرأي والعقيدة والتعبير ذريعةً لهذه الاعتداءات.
• أبو زيد بين الردة والتفريق:
ويخصص المؤلف الفصل الأول من كتابه لقضية د. نصر أبو زيد الذي كان يدرّس لطلابه في الجامعة مؤلفات تتضمن إنكارًا صريحًا لحقائق القرآن، كالعرش والملائكة والجن والشياطين، ويدعي أن القرآن الكريم نص إنساني بشري وليس من عند الله، ويطالب بأن يتجه العقل إلى إحلال مفاهيم معاصرة أكثر إنسانية وتقدمًا، بدلا من الالتزام بأحكام الله الواردة في مجال التشريع والأحكا

المزيد


العقد الاجتماعي وبناء الدولة … منظور نقدي

يوليو 28th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الحداثة

العقد الاجتماعي وبناء الدولة … منظور نقدي

محمد خالد الأزعر      الحياة     - 25/07/08//

لا يمكن لمنصفٍ يعمل في حقل الفكر السياسي أو يبحث في أصل الديموقراطية، كمفهوم أو قيمة أو إجراءات عملية، أن يستبعد نظرية العقد الاجتماعي من اجتهاداته ومدارساته. وبالطبع فإنه لا ينتقص من أهمية النقلة النوعية التي أحدثتها هذه النظرية، الاعتقاد بأن العقد الذي تتحدث عنه هو إجراء أو صفقة أو حدث تاريخي افتراضي بحت، يصعب إن لم يستحل تصور وقوعه فعلياً. ذلك أن أكثر نظريات نشوء الدول والمجتمعات رقياً وانتشاراً، كالتفسير الماركسي مثلاً، تظل عرضة لمثل هذا الاعتقاد. وفي كل الأحوال لا يملك عقل فلسفياً مهما أوتى من القوة، بناء تصور نظري كامل الصدقية والتماسك عن الكيفية التي توافق بها الناس للمرة الأولى على تكوين مجتمع سياسي، مجتمع يستحق وصفه بالدولة كما نعرفها الآن أو حتى كما عرفها الأجداد الأوائل.
أحد أهم الأسئلة التي تراودنا بفعل عدم اليقين من نقطة الانطلاق الأولى لمفهوم الدولة والمجتمع السياسي، يتعلق بما إن كانت الدول جميعها تأسست وفقاً لنظرية واحدة أو أسلوب واحد ؟ هذا أمر لا يمكن القطع برأيٍ جامع مانع حوله. ولذا، فإن هناك شكوكاً كبيرة في صلاحية نظرية العقد الاجتماعي، وحدها وبمفرداتها وحيثياتها كما وردت في الفكر السياسي الأوروبي، لتفسير نشوء كل الدول. وإذا استخدمنا مصطلحات العصر، لقلنا إنه من الصعب تعميم نظرية العقد الاجتماعي والقبول بعولمتها.
ونحسب أن هذه الشكوك تتعزز أكثر بناء على نوعين من الانتقادات التي يمكن أن توجه إلى هذه النظرية . النوع الأول، يتعلق بمدى سلامة بنيتها واتساقها الداخلي. أما النوع الثاني، فيخص التعاطي الأوروبي بها ومن خلالها مع عوالم الآخرين.
فمن ناحية، تفترض نظرية العقد الاجتماعي أن الفرد سابق على المجتمع والدولة. فالأفراد يمكن أن يوجدوا كآحاد دون أن ينظمهم مع أقرانهم تجمع بشري. وهذا ما يعرف بالحالة الطبيعية التي تسبق التكوين الاجتماعي الذي ينشأ نتيجة الاتفاق الإرادي. كذلك تفترض النظرية أن إرادية الاتفاق تسمح لأي فرد بالخروج على العقد أو فسخه طالما شعر بأن شروطه لم تعد تلائم مصالحه. هذه الافتراضات توهن الدولة وحكومتها إلى أبعد الحدود. فإن قيل إن أمر استمرار العقد من عدمه مرهون بالإرادة العامة التي تعلو على الفرد والحكومة، كان السؤال هو ماذا عن شرعية الحكومة ووجود الدولة ذاته إذا ما قرر جمع غفير من الأفراد بشكل جماعي واضح أن العقد بات لا يعبر عن رؤاهم ؟ ألا يُعدُ هذا الاحتمال مدعاة لانفلات الفوضى داخل الدولة على أسسٍ قبلية أو دينية أو مذهبية أو حتى سياسية؟ ألا يعتبر مثل هذا التغاير داخل الدولة أو المجتمع ومن ثم التخاصم مع العقد الاجتماعي، سبباً وجيهاً للإندياح الخلافات وصولاً إلى «الحرب الأهلية» أو تشظي الدولة ذاتها وانفراطها؟
القصد أن فلاسفة العقد الاجتماعي لم يحاذروا بما فيه الكفاية ولا احتاطوا لاحتمال ألا تكون مفارقة العقد ناجمة عن توجه أو تمرد لأكثر بكثير من فرد أو بضعة أفراد أو جماعة. ففي حالة كهذه يصبح كيان الدولة من الأصل موضع تهديد جدي ، وقد لا تكفي فكرة الإرادة العامة، وهي عندهم إرادة الأغلبية، لرأب الصدوع وتدارك السلم الأهلي أو التوافق الداخلي. هذه حالة لم تعد شاذة في عالمنا المعاصر. ففي دول ومجتمعات كثيرة فشلت فكرة المصالح المشتركة في معالجة المنازعات بين الأغلبيات والأقليات القائمة على أسس إرثية أو عوامل مكتسبة، وجرى دفع أثمان باهظة قبل أن يذهب المتنازعون كل في طريق، محاولين إنشاء عقود اجتماعية جديدة خاصة بهم.
كذلك لم تفطن نظرية العقد إلى إمكانية نشوء أو تبلور نخب مصلحية داخل المجتمع السياسي، بوسعها اختطاف الإرادة العامة والاستحواذ عليها، خدمة لمصالح لا تتصل بالأغلبية ولا بالأقلية. وأن هذه النخب قد تعتمد على مصادر قوة تؤهلها لإكراه الجميع على الانصياع لعقدٍ وإرادةٍ تمليها هذه المصالح.
والواقع أن الاستحواذ على الحكم لم يعد يجري بزعم الحق الإلهي فقط ولا حتى بالاستحواذ على الثروة وإنما أضحى يعتمد على مداخل أخطبوطية تتعامد مع بعضها البعض، بما جعل إخضاع الدولة أو الحكومات للإرادة العامة عملية شاقة بالغة الصعوبة. وقد يكون من المدهش أن نقرر هنا بأن الانتخابات الدورية التي يحسبها الكثيرون وسيلة لإعادة النظر في العقد الاجتماعي وتفويض الحكام بالإرادة العامة وتمثيل السيادة، فقدت جوهرها لدى كثير من تجارب الاجتماع السياسي. كيف لا وهناك عشرات السبل الجهنمية التي يمكن للنخب السياسية السيطرة بها على توجهات الناخبين وخياراتهم؟.
رب مجادلٍ بهذا الخصوص بأن الدساتير والقوانين الأساسية وأنماطها، المحددة لسيرورة الحكم والسياسة، التي يوليها العقد الاجتماعي عناية شديدة - ولعلها عند البع

المزيد


التناقض الداخلي والتبعية يخلقان حداثة عربية مشوهة

يوليو 28th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الحداثة


التناقض الداخلي والتبعية يخلقان حداثة عربية مشوهة



سمير الزين
الآن، ونحن على بعد حوالى قرن ونصف القرن من بداية عصر النهضة العربية، وفي مطلع القرن الواحد والعشرين، نعيد مرة أخرى اكتشاف العجز الشامل الذي يعمّ المنطقة العربية على كل المستويات ويمنعها من دخول عصر الحداثة الحقيقي، ونكتشف أن استيراد منتجات الحداثة لا يصنع التحول إليها، وفي ظل هذا الاستيراد يستمر المجتمع في ضعفه وعجزه.
إن الضعف والعجز اللذين تعاني منهما المجتمعات العربي، يولدان انشطاراً هائلاً لطيف من الأسئلة وعلى كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطائفية.. الخ، بحاجة إلى الإجابة في ظل هذا المنعطف الذي تمر به المنطقة العربية. ومن بين هذه الأسئلة سؤال الحداثة، الذي يبدو كأن الزمن تجاوزه.
عملت الحداثة ذات المركزية الأوروبية على اختراق العالم الثالث عبر التجربة الاستعمارية بشكل لا يمكن مقاومته، وفرضت نفسها بصفتها الطريق الوحيد إلى المستقبل أمام هذه الدول. وفرضت هذه الحداثة مفاهيمها في الإطار الكوني، فاستمدت الثقافات الأخرى ـ بما فيها الثقافة العربية ـ مفاهيمها من التجربة الأوروبية للحداثة. فغزت الحداثة الواقع والعقل العربيين معاً، كما غزت كل المجتمعات البشرية. وعمل هذا الغزو على تبدل رؤية المجتمعات للعالم. لكن هذا الغزو في التجربة العربية لم يشكّل قطيعة مع الماضي الذي خيّم بكل ثقله على هذه التجربة. والقطيعة مع الماضي شكلت جوهر التجربة الأوروبية الحداثية، بصفة الحداثة تأخذ مشروعيتها من المستقبل وليس من الماضي. وإخفاق التجربة العربية لا يعود لعدم الأخذ بالحداثة، إنما لسبب معاكس هو أن الحداثة التي أخذ بها العالم العربي واستنبتها في تربته، لم تنتج ذات القيم ولم تؤد ذات الوظائف التي خلقت من أجلها، والتي كانت منتظرة منها. ومن هنا مفارقة وجود أشكال حديثة، لكن دون أن نتمكن من امتلاك الحداثة، مما جعل إشكالية الحداثة إشكالية عالقة ومزمنة في التجربة العربية.
منذ اصطدام العرب بالنموذج الغربي للحداثة، لا يملكون حرية الاختيار بين الأخذ به وتركه، إلا إذا كنا لا نشكل جزءاً من هذا العالم، ونعيش في جزيرة معزولة. لقد فرض النموذج الغربي نفسه منذ بداية التوسع الاستعماري الأوروبي، ومنذ القرن التاسع عشر فرض نفسه كنموذج عالمي. وحسب محمد عابد الجابري فرض هذا النموذج الحضاري الجديد نفسه علينا بوسائله هو: فمن التبادل التجاري غير المتكافئ، إلى التدخل في الشؤون المحلية بذريعة الدفاع عن حقوق الأقلية، أو حماية مصالح معنية، إلى الحكم المباشر، إلى الهيمنة الاقتصادية، والسيطرة الثقافية الأيديولوجية. والنتيجة من كل ذلك: غرس بُنى النموذج الغربي في بلداننا، في الصناعة والزراعة والتجارة والإدارة والثقافة وربطها بالبنية الرأسمالية الأم في أوروبا. هكذا وجد العرب أنفسهم، كما وجدت الشعوب المستعمرة كلها نفسها، أمام عملية «تحديث» كولونيالية لبعض القطاعات في المجتمع، وهي تلك التي تهم المستعمر أكثر من غيرها. عملية «تحديث» لم تستنبت أسسها في الداخل بل نقلت من الخارج جاهزة وغرست غرساً، بالإغراء أو بالقوة، في مجموعة من القطاعات التي أصبحت، بعد الاستقلال، الهياكل الأساسية للدولة الحديثة في بلداننا.
ولد مصطلح الحداثة في التجربة العربية كدعوة لتحقيق الانتقال الذي لم ينجز في الواقع الموضوعي، مما جعله مطلب مستقبلي، في الوقت الذي عبرت الحداثة في موطنها الأصلي عن حالة قائمة، على اعتبار أن الحداثة في سياقها الأوروبي ليست مشروعاً كالنهضة، إنما هي سياسة وممارسة يومية، هي تغيير في كل الاتجاهات لبنى الواقع والفكر، ما جعل نشوءها مستقلا عن الوعي بها، فهي عملية أيديولوجية واسعة ومفتوحة، لها معالم محددة، لكنها لا تنتظم في إطار نظرية من الممكن المناداة بها في هذا الاتجاه أو ذاك، إنما هي عملية تخترق المجتمع بكل بناه. لذلك تبقى الدعوة إليها كهدف نسعى إلى تحقيقه، دعوة تخترقها ثغرات لا يمك

المزيد


مقاربات في الهرمينوطيقا الغربية والتأويل الإسلامي

يوليو 28th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , التلاعب بالادمغة-واشتغال العلمانيين العرب علي اوتار ساخنة!, الحداثة, تحليلات علمانية -تستحق القراءة لكنها قاصرة!!!

مقاربات في الهرمينوطيقا الغربية والتأويل الإسلامي

المستقبل - الخميس 24 تموز 2008 - العدد 3027 - ثقافة و فنون - صفحة 20



عمر كوش

يبحث عمارة ناصر في كتابه “اللغة والتأويل” الدار العربية للعلوم والفارابي والاختلاف، بيروت ـ الجزائر، 2007 في العلاقة الكائنة ما بين اللغة والتأويل، فيجري رصداً واسعاً للمخاض الفلسفي الذي نشأت في ظله تلك العلاقة الحميمة ما بينهما، ويقدم بعض ما أنجزته الفلسفة الغربية لإنقاذ المعاني المحاصرة في دائرة المركزية الأوروبية المحكومة بآليات المطابقة والمماثلة من خلال أعمال فلاسفة كبار أمثال نيتشه وفرويد وماركس، وشلايرماخر ودلتاي وهيدغر وغادامير وريكور. كما يتناول الرابطة المعرفية ما بين اللغة والتأويل في الفكر العربي الإسلامي، من خلال الخوض في المشروع الذي هدف إلى تجديد المعاني المتهافتة في غياهب تراث مغمور وموصدة فيه أبواب الاجتهاد والتجديد. وعليه يبدأ بتحديد ماهية الهرمينوطيقا، التي يحصرها في التأويل، من حيث كونه إشكالية ولدت مع إشكالية الترجمة، بعد أن جرى الاستناد إلى الفيلولوجيا في ترجمة النصوص، الأمر الذي طرح مشكلة الاختلال في المعنى المتعادل مع معنى النص الأصلي، وبالتالي فإن مسألة التعادل في المعنى هي منشأ التأويل. وعليه فإن التأويل ليس منهجاً نظرياً يمكن الاعتماد عليه، وليس قانوناً علمياً يمكن الحصول منه على نتائج منطقية، غير أن التأويل يستغرق في كينونة الموضوع المؤول، فاتحاً بذلك عالم الذات على عالم النص، من دون وساطة منهجية، لكن تحديد التأويل أو الهرمينوطيقا يستلزم تعيين المفاهيم المركزية في حقل القراءة التأويلية وعلاقتها باللغة، للكشف عن الدينامية التي بها تشتغل، وبها تقتحم موضوعها، وتبيان المبررات التي تجيز شمولية هذه الدينامية، وكذلك التعريف بموضوعها، أي التعريف بالنص، ثم تحديد العلاقة التي تنشأ بينهما وتبيان طبيعتها.
وخلال عرض مشروع التأويل في الفكر الغربي، يعتبر المؤلف أن الحداثة مثّلت ـ في بعدها الفلسفي ـ خلاصة لاستنفاذ المخيال الاسطوري والرمزية الدينية والفنية، وأرست قواعد للخطاب ومعايير ترمي إلى الابتعاد عن الذاتية لتأسيس القول من خلال آليتها، ومثل الجهد اللغوي منذ سوسير تغيراً عميقاً لهدف الفكر الغربي وقراءة فلسفية لرموزه من أمثال نيتشه وماركس وفرويد وسواهم.
غير أن التأويلية المعاصرة تحددت وفق مقولة أن “اللغة تشرح التاريخ، لأن معنى التاريخ هو أن يكون تاريخاً للمعنى”، لكن اللغة في حدّ ذاتها لم يكن بالإمكان تطويعها للفهم الهرمينوطيقي إلا عبر التخلص من الصلابة المنهجية وسيميائها، حيث لم يعودا مكانين لاستقرار الحقيقة ووحدتها. ويقتضي تبيان ذلك من خلال المقارنة ما بين مقاربات اللغة في الفلسفة الغربية بالنظريات التأويلية المعاصرة، وذلك كي تتم الاستفادة من التجربة التأويلية الغربية وتحصيل ما يدفع اللغة إلى حدود إمكانية اقتحام النص في أعماقه.
ولدى استعراض التراث الفكري الغربي، يتبيّن أن الفكر الفلسفي فيه لم يعمل إلا على تشييء كل ما هو معطى للفكر، بدءاً بالبحث عن أصل الكون وانتهاء باللسانيات الحديثة، الأمر الذي جعل المعاني تنسحب خلف لاشيئيتها في مقابل إلحاح الانسان على الامتلاك برغبة والمعرفة بفهم والتواصل بلغة والاحساس والادراك بشعور العيش بقيم. لذلك بحث الفكر الغربي عن طريقة مختلفة لتجديد المعاني التي أنبتها الوهم بامتلاك الحقيقة واستقرارها في خطاب اللغة والشعور والمجتمع والاقتصاد ..الخ.
انتاج الرموز
أما على الجانب الفكري العربي الإسلامي، فإن المؤلف يعتقد أن النص المؤسس لتاريخ الفهم العربي الإسلامي، ويقصد القرآن، ينطلق من التميّز في بنيته عن الشعر الجاهلي، بمعنى أن إنتاج الرموز فيه يختلف عن إنتاجها في الشعرية الجاهلية، ليس على مستوى اللغة، وإنما على مستوى الدلالية وعلمها الذي يفتقر إلى الأشياء ومراجعها، لأن القرآن يشتغل منذ البداية على حمل اللغة لتقرير الوجود، حيث يتأسس الخلق على اللغة والوجود، وينبثق من “كن”. ثم أن العالم كله مسبوق بنص شامل هو “اللوح المحفوظ”، لكن عندما تتوسط اللغة الذات الخالقة والخلق، فإن هناك مسافة ما ينبغي أن تعاد داخل بنية الفهم.
وانحصر عمل التأويل في الخطاب الفكري العربي الإسلامي على نقل الذات القارئة وفرضيات الخطاب إلى جهة لا تتعادل في المعنى، وبالتالي فإنه حيث يكون اللاتعادل فلا نهائية للتأويل، بل عودة إلى خطاب النفس لتجديد دلالات اللغة الموضوعة لمراهنة المعنى. ونتج عن ذلك أن اللغة وموضوعها هما المنتصران في مراهنة التأويل، الذي يطرح في كل فهم تخارجاً مطرداً لمواقع الفهم، التي أُغرقت بدورها في جدل المجاز والحقيقة في خطاب اللغويين وفي اضطراب النفس في خطاب الصوفية.
ويبدو أن القراءات اللغوية والتأويلية في التراث العربي الإسلامي بدأت اشتغالها من الجهة التي ينفتح فيها خطاب القراءة على العلاقة فوق اللغوية بين قارئ مهيأ للاستقبال والاعتقاد، في مجاله المتراوح بين الفهم للمعرفة والفهم للايمان، وبين ذات كاتبة وإلهية في مجالها المتراوح بين الخطاب للإرادة والخطا

المزيد


التالي