السلفية والليبرالية
المستقبل - السبت 4 تشرين الأول 2008 - العدد 3095 - ثقافة و فنون - صفحة 20




عمر كوش
يحاول عبد الله البريدي، مؤلف هذا الكتاب، الكشف عن مكنونات ومكونات العقل السلفي والعقل الليبرالي، كي يفهم القارئ الكيفية التي يفكر بهما كل من العقلين، السلفي والليبرالي، ولماذا يفكران على وفق هذه الكيفية، وذلك اعتماداً على أدوات تشخيصية وقدرات تحليلية، واستعراض الأدبيات والشواهد والتطبيقات التي تخص الموضوع المدروس. والتشخيص المعتمد هو التشخيص الثقافي، من منطلق تطور الثقافة في مفرداتها وأنساقها وتفاعلاتها وتمظهراتها ووظائفها.
ويعزو المؤلف اختياره لمناقشة السلفية والليبرالية إلى كونهما تيارين متناطحين في المشهد الثقافي المعاصر؛ حيث يمارس كل منهما تسويقا وترويجا لفكريهما، بل تحشيداً وتحزيباً وبأشكال مختلفة؛ يصور كل منهما أن لا مشروعية إلا “نهجه”، ولا طريق إلا “فلسفته”، ولا صوت إلا “صوته”، ولا نهضة إلا “بمشروعه”، بل ولا حياة إلا “باختياراته”.
ويعتبر المؤلف أن النسق العام في ثقافتنا المعاصرة يسير باتجاه التقليد والمحاكاة والجمود في الميادين كافة، مع وجود بعض الاستثناءات القليلة، الأمر الذي يتطلب تكثيف التحليل على الممارسة السلفية الليبرالية، بوصفها الظاهرة التي يجب أن تخضع للتشخيص، نظراً للمزاعم السلفية والليبرالية التي تعتبر كل منهما يجسد طريق الخلاص وسبيل النهوض ومبعث الإبداع. وهنا تطرح إشكالية ثقافية الكبرى، تخص كيفية التعاطي مع التراث العربي الإسلامي والحضارة الغربية المعاصرة؛ بمعنى هل ستستمر عملية “التلفيق” الثقافي، مع مراجعة لتلك العملية ونتاجها وآثارها؛ أم يتطلب الأمر التوسع في عملية الاغتراف منهما في الوقت نفسه، باعتبار أن ذلك هو الطريق الوحيد لفهمهما وتجاوزهما.
وقد تعرف المفكرون والمثقفون العرب على الليبرالية بوصفها نموذجاً عصرياً، يرى الغرب صانع التاريخ ومثال التقدم، فما دام تاريخ العالم قد عرف انتقالاً من الشرق نحو الغرب، على النحو الذي صوره “هيغل”، باعتبار أن أوروبا تمثّل ـ بالنسبة إليه ـ نهاية التاريخ على نحو مطلق، فقد تصور الليبراليون العرب أن بالإمكان اللحاق بركب التقدم الغربي، كي تركن بلادهم بدورها إلى نهاية التاريخ. فكانت ليبراليته واسعة وفضفاضة، تتعامل مع المفاهيم الليبرالية كالحرية والدستور وسواهما كحاجة طبيعية أو مجتمعية للخلاص من التخلف والجمود والانحطاط، فركز على الحرية بوصفها مطلباً وعلى الدستور كذلك، فلم يتمثل الليبرالية كنهج نظري.
جزئية
وقد نظر المثقفون الليبراليون إلى الليبرالية نظرة جزئية، فمنهم من اختار معركة العقل تاركاً بقية التطلعات الليبرالية، بل وربما اتخذ موقفاً سلبياً منها، فيما اكتفى بعضهم بالدعوة إلى العلم، والبعض الآخر سار حافي القدمين على شوك معركة الداروينية، أو معركة الشك الديكارتي، أو حق تكوين الأحزاب أو معركة الوحدة الوطنية، أو تحرير المرأة..إلخ، دون أن يدركوا أن الليبرالية هي رؤية متكاملة، ولا تكون إلا كذلك. ويمكن القول أن الضعف الذي شاب الليبرالية في بلاد العروبة والإسلام كان ضعفاً بنيوياً، كامناً في ذات البنية المجتمعية والظروف الموضوعية للنشأة الليبرالية، وتوازنات القوى المختلة في وقتها اختلالاً شديداً، حيث كانت المجتمعات العربية بمثابة حلقة ضعيفة، مكتملة ومغلقة، لكنها حلقة مفرغة تدور حول نفسها؛ فتحت ظل الاحتلال الأجنبي لا يمكن التمتع بإرادة مستقلة، ولا يمكن قيام حركات دستورية، وبدون استقلال لا يمكن قيام أي تطور أو أي إصلاح. وعليه فإن الفارق الجوهري ما بين الليبرالية الأوروبية وبين الليبرالية العربية، هو أن الأولى قامت على أكتاف مجتمع اكتملت تشكيلته الاجتماعية والسياسية، فيما كان النمو الليبرالي العربي جزئياً وضعيفاً، كونه حاول النمو في وجه مقاومة من الاحتلال والقوى المتحالفة معه.
إن الليبرالية هي قدرة على صناعة العقل المتحرر القادر على الإبداع، وقدرة على التعامل الحر والمتجدد مع الواقع المتغير. ومثل هذه القدرة تحظى باهتمام كبير يدفع حتى خصومها للتشدق بها، ومحاولة استخدامها كلفظ دون فعل، وقول دون مغزى ح



















