الفصل الثالث: التصور عن الكون والحياة
* علاقة المسلم بالطبيعة:
(1)
ـ التسبيح:
قال تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: 44]. وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [النور: 41]. وقال تعالى: وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الشورى: 5].
تكرر في القرآن ذكر أن «من في الكون يسبح لله» أكثر من ثلاثين مرة بلفظ التسبيح وتكرر هذا المعنى بغير لفظ التسبيح مرات أخرى كثيرة. وهكذا فإن المسلم الواعي عندما يقرأ أو يسمع القرآن، ويسبح الله كما أمره، فإن من الطبيعي أن يدرك أنه عضو في كورس التسبيح الكوني، وهذا كاف لإشعاره بانسجامه مع الكون وعناصره وأنه ليس مع الطبيعة في حال تنافر وصراع.
(2)
ـ التسخير:
وقال تعالى: اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ، وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: 32 ـ 34]، وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية 12ـ 13].
وقد تكرر معنى الآيات الكريمة من تسخير الله عناصر الكون بلفظ التسخير أكثر من عشرين مرة، وتكرر هذا المعنى عدة مرات بألفاظ أخرى مثل: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15].
وهكذا فإن المسلم الواعي حين يقرأ أو يسمع القرآن، ويعرف أن عناصر الطبيعة مسخرات له، ونعم أنعم الله بها عليه فإن من الطبيعي أن يشعر بإلفٍ للطبيعة وأنس بها، وأن يعتبرها صديقة وليست عدوة وربما يفسر هذا أنه لا توجد في لغة الإسلام عبارات، مثل قهر الطبيعة، أو ظلم الطبيعة، كما هي في اللغات الأوروبية، وإنما انتقلت هذه العبارات إلى اللغة العربية حديثاً تأثراً باللغات الأوروبية.
(3)
ـ قانون الزوجية:
قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف: 189].
وقال تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ژ [النجم:45]، وقال تعالى: جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيه [الشورى:11]، وقال تعالى: فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ژ [الحج: 5]، وقال تعالى: فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى ژ [طه:53]، وقال تعالى: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف:12]. قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [يس: 36]. قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِگ ژ [الرعد:3]، وقال تعالى: ژوَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: 49].
المسلم الواعي حين يسمع أو يقرأ هذه الآيات من السهل عليه أن يدرك أن الاختلاف الظاهر في الطبيعة وفي الحياة اختلاف تنوع وتكامل وليس اختلاف تناقض وتضاد، يرى المسلم الوحدة في الكون الصادر عن الواحد الخالق، ويرى الوحدة في القانون الذي يحكم الكون من الذرة إلى المجرة، ويرى أن القانون الذي يسيطر على الحياة قانون واحد هو قانون الزوجية، فالذكر والأنثى، والليل والنهار، والجسد والروح، والدنيا والآخرة، وحتى الموت والحياة كلها أجزاء في المنهاج الكوني تسير مترافقة إلى غايته.
قد يستغرب القارئ المزاوجة بين الحياة والموت ولكن الله سبحانه تعالى يقول: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2]، الموت والحياة علامات في طريق انتقال الإنسان من مرحلة لأخرى، قال تعالى:كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: 28]، وقال تعالى:وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ [البقرة:154]، وقال تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران:169-170].
الموت ليس نهاية الحياة بإطلاق، وإنما نهاية أجل لمرحلة معينة، الموت والحياة كاليقظة والنوم، اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42] فالأساس في الكون الوحدة لا التعدد والتكامل لا الصراع.
(4)
ـ الانسجام في القرآن والكون:
والقرآن يصف نفسه بأنه آيات ،ويصف الكون الطبيعي بأنه آيات، قال تعالى: إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:3- 6].
ففي هذه الآية الجمع بين آيات الكون وآيات القرآن، إن من معاني كلمة آية: الدلالة والأمارة فالقرآن آيات دالة على أن الله أنزله ،والكون آيات دالة على أن الله خلقه، وقد وصف الله القرآن بأنه ژوَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء:82]، وقال عن الكون: ژالَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍژ [الملك:3]، فنفى الاختلاف مثل نفي التفاوت في الخلق كلاهما يعني تمام التناسق والانسجام وكون القرآن والكون على تمام التناسق والانسجام دليل على وحدة مصدرهما(1).
(5)
* الوحدة في منهج الإسلام:
وحين يعي المسلم هذه المعاني: انسجامه مع الكون، وشعوره بالألفة والسلام مع عناصره، ومعرفته بأن مبدأ الوحدة هي ما يحكمه، يسهل عليه إدراك الوحدة في تنظيم الإسلام للسلوك. وقيام الإسلام منهجاً شاملاً للحياة ليس فقط الحياة في نواحيها الأساسية المختلفة من اقتصاد وثقافة واجتماع بل أيضاً في تفاصيلها حتى ما يراه الناس في العادة تافهاً منها كآداب الأكل والشرب والنوم واللباس ودخول المسكن والخروج منه.
حياة المسلم، كل نشاط أو امتناع عن نشاط يمكن أن يكون عبادة، والعبادة في الإسلام ليست مجرد طقوس تُؤدَى في المعبد، يعرف علماء الإسلام العبادة بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (2)، كل عمل صالح حين يقترن بالإخلاص فهو عبادة، لا فرق بين ما تعارف الناس على تسميته دينيا وما تعارفوا على تسميته دنيوياً، الباحث في معمله،والطبيب في عيادته، والجراح في غرفة العمليات، والمهندس يمارس مهنته، والعامل في المصنع والمجاهد في ميدان المعركة كلهم يتعبدون الله بعملهم حينما يقترن بالإخلاص والاحتساب لله.
كان هذا المعنى واضحاً لدى الأشخاص الذين تلقوا الإسلام مباشرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: مادمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في السوق، الإثم ليس فقط في ترك الصلاة والصوم، بل أيضاً في كسل الإنسان عن طلب المعيشة وتضييعه من هو مسؤول عن إعالته، ففي الحديث الشريف «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت (3).
والتجارة والصناعة والزراعة وكل حرفة يحتاجها المجتمع تعد كلها فروض كفاية إذا أخلّ بها كل القادرين عليها في المجتمع أثموا كلهم.
وبالجملة، فالإسلام ليس ديناً بالمعنى الذي تعارف الناس عليه من غير المسلمين، الإسلام منهج شامل للحياة.
يصور هذه المعاني محمد أسد بقوله «الإسلام… لا يرشد الإنسان إلى أن الحياة أساسها وحدة فحسب، لأنها تنبثق من الوحدة الإلهية، ولكن يدلنا أيضاً على الطريقة العملية التي يستطيع بها الفرد في نطاق حياته الدنيوية أن يعيد وحدة العمل والفكر في وعيه ووجوده كليهما»(4)، «يختلف إدراك العبادة في الإسلام عما هو في أي دين آخر، إن العبادة في الإسلام ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص كالصلوات والصيام مثلاً، ولكنها تتناول كل حياة الإنسان العملية أيضاً، وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم عبادة الله فيلزمنا حينئذ ـ ضرورة ـ أن ننظر إلى هذه الحياة، في مجموع مظاهرها كلها على أنها تبعة أدبية متعددة النواحي، وهكذا يجب أن نأتي أعمالنا كلها، حتى تلك التي تظهر تافهة على أنها عبادات أي نأتيها بوعي، وعلى أنها تمثل جزءاً من ذلك المنهاج الكوني الذي أبدعه الله، تلك حال ينظر إليها الرجل العادي على أنها مُثُل عليا بعيدة، ولكن أليس من مقاصد الدين أن تتحقق المثل العليا في الوجود الواقع»(5).
«الفكرة الإسلامية في العبادة لا تشمل الصلوات فحسب، ولكنها تشمل فعلاً حياتنا كلها. إن هدفها هو جمع ذاتنا الروحية وذاتنا المادية في كلٍّ واحدٍ، من أجل ذلك يجب أن تكون جهودنا موجهة بوضوح نحو إزالة العوامل التي تنشط في حياتنا على غير وعي منا فنـزيلها بالقدر الذي تتحمله طاقة البشر، إن محاسبة النفس هي أولى الخطوات في هذا السبيل، وإن أوثق الوسائل للتمرين على محاسبة النفس أن تخضع أعمالنا التي تجرى في حياتنا اليومية بحكم العادة وبغير مبالاة للمراقبة،… ليس من السهل على الإطلاق أن يبقى الإنسان في تنبه مستمر لمحاسبة النفس وضبطها حتى ولو كانت فيه هاتان الق