الخوف والبغض في أوروبا

نوفمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , التسامح -الإسلام والغرب, مواد لمشروع الاستغراب

الخوف والبغض في أوروبا
آخر تحديث:السبت ,11/10/2008

إيان بوروما

في الانتخابات العامة التي انعقدت في النمسا مؤخراً، فاز حزبان من أقصى اليمين، وهما حزب الحرية النمساوي وحزب الحركة من أجل مستقبل النمسا، بحوالي 29% من الأصوات، أي ضعف مجموع الأصوات التي فاز بها الحزبان في انتخابات العام 2006. ويشترك الحزبان في المواقف نفسها في التعامل مع المهاجرين، وبصورة خاصة المسلمين، وفي التعامل مع الاتحاد الأوروبي: وهو ما يؤلف مزيجاً من الخوف والبغض. ولكن ما دام زعيما الحزبين، هاينز كريستيان ستراتش وجورج هايدر، يمقت كل منهما الآخر فإن الفرصة ضئيلة في أن يتولى السلطة ائتلاف من أحزاب أقصى اليمين. بيد أن النمسا هي مسقط رأس أدولف هتلر، حيث كان اليهود يرغمون ذات يوم على تنظيف شوارع فيينا باستخدام فراشي الأسنان قبل أن يُطردوا ويُقتلوا. ولهذا السبب كانت نتائج الانتخابات سبباً في الانزعاج. ولكن إلى أي مدى بلغ هذا الانزعاج؟

إن نسبة ال 29% من الأصوات تزيد بحوالي 15% على أفضل أداء لأحزاب اليمين الشعوبية في أفضل أعوامها الانتخابية في البلدان الأوروبية الأخرى. ويريد ستراتش زعيم حزب الحرية أن تسارع الحكومة إلى إنشاء وزارة جديدة لإدارة عمليات ترحيل المهاجرين الأجانب. والمسلمون يُحَط من قدرهم ويُذمّون صراحة وجهراً. أما هايدر فقد امتدح ممارسات الرايخ الثالث فيما يتصل بتشغيل العمالة أثناء زعامة هتلر. إن اليمينيين الجدد يعيدون إلى ذاكرتنا قوات العاصفة والقوانين العنصرية.

بيد أنه من الخطأ أن ننظر إلى نهوض اليمين النمساوي باعتباره إحياء للنازية. إذ إن أياً من الحزبين لا يدعو إلى العنف، حتى ول

المزيد


الإسلام السياسي ومنطق الحل الوسط

أغسطس 11th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الإسلام وحملات الإساءة‏, التسامح -الإسلام والغرب, مقالات فكرية مختارة يوميا من جميع الجرائد

الأحد10/8/2008 م، الساعة 02:51 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة

الإسلام السياسي ومنطق الحل الوسط

عبد الحليم غزالي……كشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة جالوب الأمريكية ونشرت نتائجه قبل أيام أن الشعب المصري يتقدم الشعبين الإيراني والتركي من حيث حجم الغالبية التي تؤيد تطبيق الشريعة الإسلامية، ووفقا للاستطلاع الذي أجري علي عينة كبيرة من الشعوب الثلاثة، فإن 91% من المصريين مقابل 90% من الإيرانيين و74 % من الأتراك يرون أن الشريعة يجب أن تكون مرجعا للقوانين التي يجري تطبيقها في الدولة، وقال 64% من المصريين الذين شملهم الاستطلاع إن الشريعة يجب أن تكون المصدر الوحيد للتشريع مقابل 7% فقط من الأتراك.

وفي إطار الاستطلاع ذاته رأي 97 في المائة من المصريين أن الشريعة توفر العدالة للمرأة، مقابل 76 في المائة من الإيرانيين، و59 في المائة من الأتراك كما قال 85 في المائة من المصريين و65 في المائة من الإيرانيين و51 في المائة من الأتراك ممن أجري عليهم الاستطلاع أن الشريعة تحمي الأقليات.

ولا يزال الاستطلاع المهم يفرز نتائجه التي أراها شديدة الأهمية، حيث يظهر أن 96 في المائة من المصريين و80 في المائة من الإيرانيين و63 في المائة من الأتراك يرون أن الشريعة الإسلامية تعزز وجود نظام قضائي عادل، كما عبر 97 في المائة من المصريين عن اعتقادهم بأن الشريعة تحمي حقوق الإنسان مقابل 77 في المائة من الإيرانيين و62 في المائة من الأتراك، وقال 94 في المائة من المصريين إن الشريعة تقلل الجريمة في المجتمع مقابل 76 في المائة من الإيرانيين و68 في المائة من الأتراك، وآخر ما جاء به الاستطلاع فإن 94 في المائة من المصريين و78في المائة من الإيرانيين و 55 في المائة من الأتراك يؤمنون بأن الشريعة تعزز العدالة الاقتصادية.

لقد قصدت أن أعرض نتائج الاستطلاع بشكل كامل ومفصل، لأظهر العديد من الحقائق ولعل أبرزها أن المصريين يسبقون الإيرانيين والأتراك في التعلق بالشريعة رغم أن إيران جمهورية إسلامية حسب دستورها وتعتبر ذات حكومة دينية تقوم علي مبدأ ولاية الفقيه في حين أن تركيا يحكمها حزب له جذور إسلامية خرج من رحم حزب ديني هو الرفاه وخليفته ال

المزيد


لماذا “تعثّر” كيسنجر بـ “الإسلام الراديكالي”؟

يوليو 6th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الإسلام وحملات الإساءة‏, التسامح -الإسلام والغرب, مقالات علي هامش الاستغراب, مقالات فكرية مختارة يوميا من جميع الجرائد

لماذا “تعثّر” كيسنجر بـ “الإسلام الراديكالي”؟
آخر تحديث:الأحد ,06/07/2008

سعد محيو

كيف يطل هنري كيسنجر هذه الأيام على الوضع الاستراتيجي- التاريخي للغرب في العالم؟ من خلال استقراء سلسلة المقابلات والدراسات التي وضعها مؤخراً “ثعلب الواقعية السياسية” (كما يسميه منتقدوه)، ومترنيخ القرن العشرين (كما يحب هو أن يسمي نفسه)، يتبيّن أن كيسنجر يرى ثلاثة تحديات كبرى أمام الغرب:

 بدء اختفاء الدول- الأمم، خاصة في أوروبا “التي تمر الآن بمرحلة فراغ بين ماضيها ومستقبلها”، على حد تعبيره.

 صعود الصين والهند، ومعهما بقية السرب الآسيوي، إلى قلب مسرح التاريخ، بما سيترتب على ذلك من ضرورة إدخال تغييرات جذرية على بنية النظام العالمي وتركيبته.

 بروز مشاكل كبرى جديدة في العالم تعجز أية دولة كبرى( بما في ذلك أمريكا) عن حلّها بمفردها، في مقدمها أزمتا ندرة الطاقة الأحفورية والاحتباس الحراري.

تحليل دقيق؟ أكيد. فالدولة - الأمة تستعد بالفعل للانضمام إلى رفوف التاريخ. وصعود آسيا لم يعد في حاجة

المزيد


…العنصرية تجتاح أوروبا

يوليو 4th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , التسامح -الإسلام والغرب, مواد لمشروع الاستغراب

…العنصرية تجتاح أوروبا

بقلم/ د. طارق الشيخ:

في بطولة الأمم الأوروبية التي انتهت قبل أيام كان لافتا للأنظار الحرص وقبيل بدء كل مباراة توجيه نداء لمحاربة العنصرية وخاصة في الرياضة.

وبخبرتي في شؤون القارة العجوز فقد شعرت بأن ثمة رسالة عاجلة أريد حملها عبر هذا التجمع الأوروبي العالمي لكي تصل الجميع في أوروبا محذرة من تفشي العنصرية في جميع دول القارة الأوروبية مع اختلاف الاسباب. وقد دللت الارقام التي نشرتها الوكالة الأوروبية الجديدة للحقوق الأساسية والتابعة للاتحاد الأوروبي وتداولتها وسائل الاعلام في أوروبا أن العنصرية قد ارتفعت درجاتها وبشكل ملحوظ في الفترة بين 2000 - 2006 . وقد ذكرت رئيسة الوكالة انستايشا كيركلي أن المعلومات التي نشرتها الوكالة قد بنيت علي معلومات جمعت في 11 دولة عضو بالاتحاد الأوروبي. هذا في وقت يزداد الاهتمام العام في أوروبا بالعنصرية ومعاداة كظاهرة باتت تشكل هاجسا في كل المجتمعات الاوروبية. ويلاحظ ان هذه الزيادة في المشاعر العنصرية والعداء للأجانب تتم علي الرغم من أن الدول الأوروبية قد ضاعفت من جهودها للحد من هذه الظاهرة بل بلغت درجة إلزام جميع دول الاتحاد بمحاربة هذه الظاهرة وبأقصي درجات الحزم والقوة.

لكن وبالنظر إلي النتائج التي كشفت عنها الوكالة فإن عدد الحوادث العنصرية المسجلة في ألمانيا مثلا قد زادت من مايقرب 14.700 حادثة عام 2000 لتصل إلي حوالي 18.000 حالة عام 2006 أي بزيادة بلغت 20%. وتضاعف هذا الرقم في بعض الدول وفي حالة مثل سلوفاكيا بلغ ثلاثة أضعاف. وتعلق كيركلي علي الارقام بقولها إ

المزيد


التسامح والعدوانية: بين الإسلام والغرب (3) حسن الخلق

يونيو 11th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الإسلام وحملات الإساءة‏, التسامح -الإسلام والغرب

التسامح والعدوانية: بين الإسلام والغرب (3) حسن الخلق
11-5-2008
إن تعوّد المسلم على تفاصيل السلوك التي تدعو إليها نصوص الوحي وترغب فيها على نحو ما أشارت الآيات والأحاديث السابقة، وترويض نفسه عليها حتى تكون له عادة وأسلوب حياة ثم طبيعة ثانية، كل ذلك كفيل بأن يهيئه نفسياً وذهنياً للتسامح تجاه الآخرين حتى يصدر منه هذا الخلق عفواً وبدون تكلف، وهذا مشاهد في الواقع لدى الأشخاص الذين رزقوا بمن يربيهم على حسن الخلق ويوعيهم بمنـزلته في بناء الإسلام.
بقلم معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين

الفصل الثاني: حسن الخلق

التسامح ـ في الإسلام ـ جزء من معنى أشمل وأوسع يعبر عنه في المصطلح الإسلامي: «بحسن الخلق»، وهذا المصطلح مثل غالب المصطلحات الشرعية لا مرادف له في اللغة العربية، وهو من السعة والشمول بحيث تعددت عبارات علماء الإسلام في تحديده، فيعرفه الحسن البصري ـ رحمه الله ـ بأنه “بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى” (1)، ويقول عبد الله بن المبارك:”حسن الخلق أن تتحمل ما يكون من الناس” (2)، ويقول الإمام أحمد: “حسن الخلق أن لا تغضب ولا تحقد” (3)، وقال الماوردي:”حسن الخلق أن يكون سهل العريكة، لين الجانب، طلق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة” (4)، وقال الغزالي عن حسن الخلق: “أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، براً وصولاً وقوراً شكوراً رضياً حليماً رفيقاً عفيفاً شفيقاً، لا لعَّاناً ولا سبَّاباً ولا نمَّاماً ولا مغتاباً ولا عجولاً ولا حقوداً ولا بخيلاً ولا حسوداً، بشاشاً هشاشاً، يحب في الله ويبغض في الله ويرضى لله ويغضب لله” (5).

وقال القزويني في تعريفه: “سلامة النفس نحو الأفق الأحمد من الأفعال وقد يكون ذلك في ذات الله وقد يكون فيما بين الناس، أما فيما يتعلق بذات الله عز وجل فهو أن يكون العبد منشرح الصدر بأوامر الله تعالى ونواهيه، يفعل ما فرض عليه طيب النفس به، سلساً نحوه، وينتهي عما حرم عليه راضياً به، وغير متضجر منه، ويرغب في نوافل الخير، ويترك كثيراً من المباح لوجهه ـ تعالى وتقدس ـ إذا رأى أن تركه أقرب إلى العبودية من فعله، مستبشراً بذلك غير ضجر به ولا متعسر به”.

أما في المعاملات بين الناس، “فأن يكون سموحاً لحقوقه، لا يطالب غيره بها، ويوفي ما يجب لغيره عليه منها، فإن مرض ولم يُعد، أو قدم من سفر فلم يُزر، أو سلم فلم يُرد عليه، أو ضاف فلم يُكرم، أو شفع فلم يُجَب، أو أحسن فلم يُشكر، أو دخل على قوم فلم يُمكّن، أو تكلم فلم يُنصت له، أو أستأذن على صديق فلم يُؤذن له، أو خطب فلم يُزوّج، أو استمهل الدين فلم يُمهَل، أو استنقص منه فلم يُنقَص، وما أشبه ذلك.. لم يغضب ولم يعاقب ولم يتنكر من حاله حال، ولم يستشعر في نفسه أنه قد جفى وأوحش، وأنه لا يقابل كل ذلك إذا وجد السبيل إليه بمثله، بل يضمر أنه لا يعتدّ بشيء من ذلك، ويقابل كلاً منه بما هو أحسن وأفضل وأقرب منه إلى البر والتقوى، وأشبه بما يُحمد ويُرضى، ثم يكون في إيفاء ما يكون عليه، مثلما يكون في حفظ ما يكون له، فإذا مرض أخوه المسلم عاده، وإن جاءه في شفاعة شفعه، وإن استمهله في قضاء دين أمهله، وإن احتاج منه إلى معونته أعانه، وإن استسمحه في بيع سمح له، ولا ينظر إلى الذي يعامله كيف كانت معاملته إياه فيما خلا، وكيف يعامل الناس، إنما يتخذ الأحسن إماماً لنفسه، فينحو نحوه ولا يخالفه” (6).

وقد تواترت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة بالأمر بأنواع السلوك من الأقوال والأعمال مما يقع تحت مسمى حسن الخلق، وعني بهذا الموضوع علماء المسلمين وبخاصة المهتمون منهم بالتربية أبلغ عناية، حتى لو جرت محاولة لجمع ما كتبه العلماء في هذا الموضوع لصار منه مكتبة كبيرة.

وفيما يلي نماذج من الآيات والأحاديث ال

المزيد


التسامح والعدوانية: بين الإسلام والغرب (2) التسامح جذور وثمار

يونيو 11th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , الإسلام وحملات الإساءة‏, التسامح -الإسلام والغرب

التسامح والعدوانية: بين الإسلام والغرب (2) التسامح جذور وثمار
07-5-2008
كانت فكرة الإسلام عن التسامح من الوضوح بحيث لم تخف على المنصفين من مفكري الغرب على سبيل المثال. يقول DE LACY O’LEARY: “إن التاريخ أوضح ـ بما فيه الكفاية ـ أن أسطورة المسلمين الذين انساحوا في العالم ينشرون الإسلام بحد السيف واحدة من أسخف الخرافات التي ظل المؤرخون (الغربيون) يرددونها”
بقلم معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين

ملاحظة: تنفرد العصر بنشر واحد من أهم وأخر ما كتب معالي الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين، الرئيس العام لشؤون الحرمين، وهو عالم بصير بشؤون الفكر الإسلامي عامة وفي مجال الاقتصاد والتشريع بشكل خاص، وهو مكب على كتابة بحوث في هذا المجال على الرغم من كثرة ارتباطاته، كما أنه مهتم بالعمل الخيري والإنساني على المستوى المحلي والدولي، ومن عادة الشيخ النفور من كل مظهر فيه بروز أو تكلف، بل الغالب عليه هو إنكار الذات واستصغار ما يعمل، ولهذا لقبه البعض بـ”عالم الزهاد وزاهد العالم”، وتتميز مؤلفاته بالأسلوب الماتع والعرض الشائق والعناية بإيصال رسالة الكتاب كاملة إلى القراء.

(1)

إذا كان لا ينازع في أن جذور التسامح وفي الوقت نفسه ثمراته هي صفات معينة مثل الرحمة والعفو والصبر، فيلاحظ أن القرآن الكريم كرر ذكر الرحمة والرأفة والعفو والصفح والمغفرة والصبر أكثر من تسعمائة مرة. وقد ذكرت صفات لله أو للقرآن أو للنبي صلى الله عليه وسلم وفي ضمن ذلك دعوة الإنسان إلى الاتصاف بها، أو ذكرت في مجال مدحها والأمر بها.

وذلك مثل قوله تعالى: هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [الحشر: 22]، إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة :143]، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54]، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]، فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ [الأنعام:157]، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: 13]، وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التغابن:14]، وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى:40]، فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ژ [الزخرف:89]، وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]، قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية:14]، وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: 43] وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران:186]، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْت

المزيد


التسامح والعدوانية: بين الإسلام والغرب (1)

يونيو 11th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , التسامح -الإسلام والغرب

التسامح والعدوانية: بين الإسلام والغرب (1)
05-5-2008
ما فتئ السياسيون والكتّاب والقائمون على وسائل الإعلام في الغرب يصرّون على تثبيت صورة الإسلام على أنه ثقافة عدوانية تجعل من المسلمين مصدراً للعنف والإرهاب، فما هي الحقيقة؟ وهل صحيح أن العدوانية صفة مميزة للثقافة الإسلامية، وأن التسامح صفة مميزة للثقافة الغربية؟ لقد كتبت هذا الكتيب محاولة للإجابة عن هذا السؤال.
بقلم معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين

تنفرد العصر بنشر واحد من أهم وأخر ما كتب معالي الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين، الرئيس العام لشؤون الحرمين، وهو عالم بصير بشؤون الفكر الإسلامي عامة وفي مجال الاقتصاد والتشريع بشكل خاص، وهو مكب على كتابة بحوث في هذا المجال على الرغم من كثرة ارتباطاته، كما أنه مهتم بالعمل الخيري والإنساني على المستوى المحلي والدولي، ومن عادة الشيخ النفور من كل مظهر فيه بروز أو تكلف، بل الغالب عليه هو إنكار الذات واستصغار ما يعمل، ولهذا لقبه البعض بـ”عالم الزهاد وزاهد العالم”، وتتميز مؤلفاته بالأسلوب الماتع والعرض الشائق والعناية بإيصال رسالة الكتاب كاملة إلى القراء.


كتاب: التسامح والعدوانية: بين الإسلام والغرب

تأليف: الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين، الرئيس العام لشؤون الحرمين

الطبعة الأولى ـ 1429 هـ

الناشر: إصدار مؤسسة الوقف

المحتويات:

الإهداء 7

مقدمة المـقــدمة 8

مقــــــــدمة 9

الفصـــــل الأول : التسامح .. جـذور وثـمــــــــــار 23

الفصل الثاني: حسن الخلق 31

الفصل الثالث: التصور عن الكون والحياة، علاقة المسلم بالطبيعة 41

التسبيح: 42

التسخير: 43

قانون الزوجيـة: 44

الانسجام في القرآن والكون: 46

الوحدة في منهج الإسلام: 47

عقبة في طريق فهم الغرب للإسلام: 59

بين الإسلام والثقافة الغربية: 65

الفصل الرابع: الوسطية والاعتدال 69

الفصل الخامس: إلغاء الطبقية والتمييز العنصري 11

الفصل السادس: قبول التعددية الثقافية 117

الفصل السابع: العلاقات الدولية 171

الفصل الثامن: الثقافة الغربية والتسامح: الولايات الـمتحدة نموذجا 3

خاتمة: 225

ملحق: 229

قائمة المصادر والمراجع العربية 236

قائمة المصادر والمراجع الأجنبية 239

الإهداء:

إلى ذكرى “محمد أسد”، لذي كتب عام 1934م في مقدمة كتاب “الإسلام على مفترق الطرق”:

هذا السؤال يُلقى عليَّ مرة بعد مرة: لماذا اعتنقت الإسلام، ومـا الذي جذبك منه خاصة؟

وهنا يجب أن أعترف بأنني لا أعرف جواباً شافياً. لم يكن الذي جذبني تعليم خاص من التعاليم، بل ذلك البناء المجموع العجيب المتراص ـ بما لا نستطيع له تفسيراً ـ من تلك التعاليم الأخلاقية بالإضافة إلى منهاج الحياة العملية، ولا أستطيع اليوم أن أقول أي النواحي قد استهوتني أكثر من غيرها، فإن الإسلام على ما يبدو لي بناء تام الصنعة وكل أجزائه قد صيغت ليتمم بعضها بعضاً ويشد بعضها بعضاً فليس هنالك شيء لا حاجة إليه، وليس هنالك نقص في شيء، فنتج من ذلك كله ائتلاف متزن مرصوص. ولعل الشعور بأن جميع ما في الإسلام من تعاليم وفرائض «قد وضعت مواضعها» هو الذي كان له أقوى الأثر في نفسي.

سعيت إلى أن أتعلم من الإسلام كل ما أقدر عليه: لقد درست القرآن الكريم وحديث الرسول عليه السلام، لقد درست لغة الإسلام وكثيراً مما كتب عنه أو كتب في الرد عليه. وقد قضيت أكثر من خمس سنوات في الحجاز ونجد ـ وأكثر ذلك في المدينة ـ ليطمئن قلبي بشيء من البيئة الأصلية للدين الذي قام النبي العربي بالدعوة إليه فيها. وبما أن الحجاز ملتقى المسلمين من جميع الأقطار فقد تمكنت من المقارنة بين أكثر وجهات النظر الدينية والاجتماعية التي تسود العالم الإسلامي في أيامنا. هذه الدراسات والمقارنات خلقت فيّ العقيدة الراسخة بأن الإسلام من وجهتيه الروحية والاجتماعية، لا يزال بالرغم من جميع العقبات التي خلقها تأخر المسلمين، أعظم قوة نَّهاضة بالهمم عرفها البشر.

ـ مقدمة المقدمة:

“وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ· وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ” (فصلت: 34-35).

(( فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ· وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ · وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ • وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ· وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ· وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ • إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ • وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ )) [الشورى: 36ـ43].

(( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا )) [المائدة: 3].



مقــدمة

(1)

لقد اختفت ـ أو كادت تختفي ـ خرافة أن الإسلام انتشر بالسيف، من الكتابات الجادة للمؤرخين الغربيين وذلك بعد مواجهة الحقائق الآتية:

صعوبة العثور على حالات موثقة للإكراه على اعتناق الإسلام في التاريخ الإسلامي.

إن نسبة كبيرة من سكان العالم الإسلامي الحالي ـ مثل الإندونيسيين والصينيين ـ لم يكونوا في نطاق الأراضي المفتوحة من قِبَل المسلمين.

إن شعوباً غزت العالم الإسلامي وتغلبت على أجزاء كبيرة منه سياسياً وعسكرياً، ثم ما لبثت في حال سلطتها أن اعتنقت الإسلام خلال مدة قصيرة نسبياً، مثل الترك والتتار.

إن الإسلام حتى في عصور تخلف المسلمين، وجهلهم بالإسلام، وتشوه حقيقته لديهم بمؤثرات أجنبية مختلفة، واتساع الفجوة بين حياة كثير منهم ـ تصوراً وسلوكاً ـ وبين الإسلام في صورته النقية، ظل يجتذب أتباعاً يختارونه ديناً عن رغبة حرة واقتناع عقلي، وبأعداد جعلته يُعرف في العصر الحاضر بأنه أسرع الأديان انتشاراً.

قبل منتصف القرن المنصرم، كان العالم الإسلامي ـ باستثـناء أجزاء يسيرة منه ـ خاضعاً للسلطة السياسية والعسكرية لدول غير مسلمة، وفي خلال ذلك لم تتأثر قدرة الإسلام على الانتشار ومقاومة القوى المعاكسة، مما حمل المستشرقة الإيطالية Laura Veccia Vagliereعلى أن تتدافع على لسانها ـ في دهشة وانبهار ـ هذه الأسئلة:

ما هي القوة المعجزة الخفية في هذا الدين؟

ما هي القوة الداخلية للإقناع الممتزجة بهذا الدين؟

من أي أعماق الروح الإنسانية تثير جاذبيته كل هذه الاستجابة لندائه؟ (1)

وعلى الرغم من الاتجاه الحديث في مؤلفات الـمؤرخين الغربيين إزاء تلك الخرافة فما زالت صورة المسلم في الثقافة الغربية العامة مرتبطة بالعنف والعدوانية والتعصب، ولم تتغير هذه الصورة كثيراً عما كانت عليه في القرون الوسطى الأوروبية (2).

بالطبع، لا أحد يقول أن ارتباط العدوانية بصورة المسلم راجع إلى أن التكوين البيولوجي لجسم المسلم يجعله أكثر إفرازاً للأدرنالين وإنما يدّعي الغربيون أن الإسلام

المزيد


التسامح والعدوانية: بين الإسلام والغرب (4) التصور عن الكون والحياة

يونيو 11th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , التسامح -الإسلام والغرب, مواد لمشروع الاستغراب

التسامح والعدوانية: بين الإسلام والغرب (4) التصور عن الكون والحياة
20-5-2008
صرف النظر عما جرى من تبدل في حياة المسلمين وتصوراتهم وأفكارهم، فإن من البديهي أن لا يغير ذلك من حقيقة، أن ثقافةً تسودها روح التآلف والتعاون لابد أن تختلف عن ثقافة تسودها روح المغالبة والصراع من حيث خلق بيئة ملائمة لوجود ونمو سلوك التسامح.
بقلم معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين

الفصل الثالث: التصور عن الكون والحياة

* علاقة المسلم بالطبيعة:

(1)

ـ التسبيح:

قال تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: 44]. وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [النور: 41]. وقال تعالى: وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الشورى: 5].

تكرر في القرآن ذكر أن «من في الكون يسبح لله» أكثر من ثلاثين مرة بلفظ التسبيح وتكرر هذا المعنى بغير لفظ التسبيح مرات أخرى كثيرة. وهكذا فإن المسلم الواعي عندما يقرأ أو يسمع القرآن، ويسبح الله كما أمره، فإن من الطبيعي أن يدرك أنه عضو في كورس التسبيح الكوني، وهذا كاف لإشعاره بانسجامه مع الكون وعناصره وأنه ليس مع الطبيعة في حال تنافر وصراع.

(2)

ـ التسخير:

وقال تعالى: اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ، وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: 32 ـ 34]، وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية 12ـ 13].

وقد تكرر معنى الآيات الكريمة من تسخير الله عناصر الكون بلفظ التسخير أكثر من عشرين مرة، وتكرر هذا المعنى عدة مرات بألفاظ أخرى مثل: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15].

وهكذا فإن المسلم الواعي حين يقرأ أو يسمع القرآن، ويعرف أن عناصر الطبيعة مسخرات له، ونعم أنعم الله بها عليه فإن من الطبيعي أن يشعر بإلفٍ للطبيعة وأنس بها، وأن يعتبرها صديقة وليست عدوة وربما يفسر هذا أنه لا توجد في لغة الإسلام عبارات، مثل قهر الطبيعة، أو ظلم الطبيعة، كما هي في اللغات الأوروبية، وإنما انتقلت هذه العبارات إلى اللغة العربية حديثاً تأثراً باللغات الأوروبية.

(3)

ـ قانون الزوجية:

قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف: 189].

وقال تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ژ [النجم:45]، وقال تعالى: جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيه [الشورى:11]، وقال تعالى: فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ژ [الحج: 5]، وقال تعالى: فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى ژ [طه:53]، وقال تعالى: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف:12]. قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [يس: 36]. قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِگ ژ [الرعد:3]، وقال تعالى: ژوَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: 49].

المسلم الواعي حين يسمع أو يقرأ هذه الآيات من السهل عليه أن يدرك أن الاختلاف الظاهر في الطبيعة وفي الحياة اختلاف تنوع وتكامل وليس اختلاف تناقض وتضاد، يرى المسلم الوحدة في الكون الصادر عن الواحد الخالق، ويرى الوحدة في القانون الذي يحكم الكون من الذرة إلى المجرة، ويرى أن القانون الذي يسيطر على الحياة قانون واحد هو قانون الزوجية، فالذكر والأنثى، والليل والنهار، والجسد والروح، والدنيا والآخرة، وحتى الموت والحياة كلها أجزاء في المنهاج الكوني تسير مترافقة إلى غايته.

قد يستغرب القارئ المزاوجة بين الحياة والموت ولكن الله سبحانه تعالى يقول: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2]، الموت والحياة علامات في طريق انتقال الإنسان من مرحلة لأخرى، قال تعالى:كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: 28]، وقال تعالى:وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ [البقرة:154]، وقال تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران:169-170].

الموت ليس نهاية الحياة بإطلاق، وإنما نهاية أجل لمرحلة معينة، الموت والحياة كاليقظة والنوم، اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42] فالأساس في الكون الوحدة لا التعدد والتكامل لا الصراع.

(4)

ـ الانسجام في القرآن والكون:

والقرآن يصف نفسه بأنه آيات ،ويصف الكون الطبيعي بأنه آيات، قال تعالى: إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:3- 6].

ففي هذه الآية الجمع بين آيات الكون وآيات القرآن، إن من معاني كلمة آية: الدلالة والأمارة فالقرآن آيات دالة على أن الله أنزله ،والكون آيات دالة على أن الله خلقه، وقد وصف الله القرآن بأنه ژوَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء:82]، وقال عن الكون: ژالَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍژ [الملك:3]، فنفى الاختلاف مثل نفي التفاوت في الخلق كلاهما يعني تمام التناسق والانسجام وكون القرآن والكون على تمام التناسق والانسجام دليل على وحدة مصدرهما(1).

(5)

* الوحدة في منهج الإسلام:

وحين يعي المسلم هذه المعاني: انسجامه مع الكون، وشعوره بالألفة والسلام مع عناصره، ومعرفته بأن مبدأ الوحدة هي ما يحكمه، يسهل عليه إدراك الوحدة في تنظيم الإسلام للسلوك. وقيام الإسلام منهجاً شاملاً للحياة ليس فقط الحياة في نواحيها الأساسية المختلفة من اقتصاد وثقافة واجتماع بل أيضاً في تفاصيلها حتى ما يراه الناس في العادة تافهاً منها كآداب الأكل والشرب والنوم واللباس ودخول المسكن والخروج منه.

حياة المسلم، كل نشاط أو امتناع عن نشاط يمكن أن يكون عبادة، والعبادة في الإسلام ليست مجرد طقوس تُؤدَى في المعبد، يعرف علماء الإسلام العبادة بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (2)، كل عمل صالح حين يقترن بالإخلاص فهو عبادة، لا فرق بين ما تعارف الناس على تسميته دينيا وما تعارفوا على تسميته دنيوياً، الباحث في معمله،والطبيب في عيادته، والجراح في غرفة العمليات، والمهندس يمارس مهنته، والعامل في المصنع والمجاهد في ميدان المعركة كلهم يتعبدون الله بعملهم حينما يقترن بالإخلاص والاحتساب لله.

كان هذا المعنى واضحاً لدى الأشخاص الذين تلقوا الإسلام مباشرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: مادمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في السوق، الإثم ليس فقط في ترك الصلاة والصوم، بل أيضاً في كسل الإنسان عن طلب المعيشة وتضييعه من هو مسؤول عن إعالته، ففي الحديث الشريف «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت (3).

والتجارة والصناعة والزراعة وكل حرفة يحتاجها المجتمع تعد كلها فروض كفاية إذا أخلّ بها كل القادرين عليها في المجتمع أثموا كلهم.

وبالجملة، فالإسلام ليس ديناً بالمعنى الذي تعارف الناس عليه من غير المسلمين، الإسلام منهج شامل للحياة.

يصور هذه المعاني محمد أسد بقوله «الإسلام… لا يرشد الإنسان إلى أن الحياة أساسها وحدة فحسب، لأنها تنبثق من الوحدة الإلهية، ولكن يدلنا أيضاً على الطريقة العملية التي يستطيع بها الفرد في نطاق حياته الدنيوية أن يعيد وحدة العمل والفكر في وعيه ووجوده كليهما»(4)، «يختلف إدراك العبادة في الإسلام عما هو في أي دين آخر، إن العبادة في الإسلام ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص كالصلوات والصيام مثلاً، ولكنها تتناول كل حياة الإنسان العملية أيضاً، وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم عبادة الله فيلزمنا حينئذ ـ ضرورة ـ أن ننظر إلى هذه الحياة، في مجموع مظاهرها كلها على أنها تبعة أدبية متعددة النواحي، وهكذا يجب أن نأتي أعمالنا كلها، حتى تلك التي تظهر تافهة على أنها عبادات أي نأتيها بوعي، وعلى أنها تمثل جزءاً من ذلك المنهاج الكوني الذي أبدعه الله، تلك حال ينظر إليها الرجل العادي على أنها مُثُل عليا بعيدة، ولكن أليس من مقاصد الدين أن تتحقق المثل العليا في الوجود الواقع»(5).

«الفكرة الإسلامية في العبادة لا تشمل الصلوات فحسب، ولكنها تشمل فعلاً حياتنا كلها. إن هدفها هو جمع ذاتنا الروحية وذاتنا المادية في كلٍّ واحدٍ، من أجل ذلك يجب أن تكون جهودنا موجهة بوضوح نحو إزالة العوامل التي تنشط في حياتنا على غير وعي منا فنـزيلها بالقدر الذي تتحمله طاقة البشر، إن محاسبة النفس هي أولى الخطوات في هذا السبيل، وإن أوثق الوسائل للتمرين على محاسبة النفس أن تخضع أعمالنا التي تجرى في حياتنا اليومية بحكم العادة وبغير مبالاة للمراقبة،… ليس من السهل على الإطلاق أن يبقى الإنسان في تنبه مستمر لمحاسبة النفس وضبطها حتى ولو كانت فيه هاتان الق

المزيد