الشرق شرق

نوفمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , إدوارد سعيد

الشرق شرق
آخر تحديث:الثلاثاء ,07/10/2008

حسن مدن

 

حين كتب ادوارد سعيد “الاستشراق”، لم يكن شيء من الذي يدور الجدل حوله اليوم قد حدث، فالنسخة الانجليزية للكتاب صدرت في عام ،1987 لكن في فصول الكتاب ما يشي، بل ما يؤكد أن الصورة النمطية التي يجري ترويجها اليوم عن الإسلام وعن الشرق الإسلامي ليست وليدة اليوم، ولا وليدة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر.

في “الاستشراق”، عاد ادوارد سعيد إلى دراسة كلاسيكية لباحث غربي عنوانها: “الهلال والوردة”، ليبحث كيف عمل الغرب على “شرقنة الشرق”، أي تكوين تلك الصورة النمطية لهذا الشرق، التي لم يرغب الاستشراق الغربي، في غالبه، في مفارقتها أو القطع م

المزيد


مدارات - إدوارد سعيد ودانيال بارونبوئيم: أوركسترا الديوان

أكتوبر 3rd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , أدونيس, إدوارد سعيد

مدارات - إدوارد سعيد ودانيال بارونبوئيم: أوركسترا الديوان الغربي – الشرقي

أدونيس     الحياة     - 25/09/08//

يعرف المعنيون جميعاً أن فكرة «الديوان الغربي – الشرقي» ولدت في السنة 1998 بمبادرة من شخصين كبيرين: المفكّر عازف البيانو إدوارد سعيد، والمايسترو عازف البيانو دانيال بارونبوئيم. وقد أرادا من هذه الفكرة أن يُوجدا مكاناً – مَشْغلاً أو محترفاً، يلتقي فيه شبان موسيقيون فلسطينيون وعربٌ ويهودٌ للدراسة معاً، والتعارف القريب الوثيق في ما بينهم. وقد تحققت هذه الفكرة، عملياً، بإنشاء «أوركسترا الديوان الغربي – الشرقي» في السنة 1999، تضم عازفين شباناً يهوداً وفلسطينيين ومصريين وسوريين ولبنانيين وأردنيين، إضافة الى مجموعة من الموسيقيين الألمان، وعزفوا معاً في فايمار في ألمانيا، لمناسبة مرور مئتين وخمسين عاماً على ولادة غوته صاحب الديوان المشهور الذي استوحي منه اسم الأوركسترا. وانضمت الى الأوركسترا عازفة الفيولونسيل المشهورة «يو – يو ما». ويعرف الجميع أن «الديوان الغربي – الشرقي» لغوته شهادة عالية على إعجاب هذا الشاعر الكبير بالشعر الفارسي، وبالشعر العربي على السواء. وقد أكد صاحبا المبادرة أن مشروعهما هذا فنّي خالصٌ لا علاقة له بالسياسية إطلاقاً، موقنين بأنه لا يمكن أن يكون هناك حلٌّ عسكري للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. هكذا يكون الهدف من هذا المشروع تنمية التفاهم بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتعميقه، بوساطة المعرفة، وبخاصة في شكلها الإبداعي الرفيع: الموسيقى، والعمل على افتتاح طريق لحل سلمي عادل ودائم.

تتألف الأوركسترا من حوالى ثمانين عازفاً تتراوح أعمارهم بين 13 و26 سنة، وتجتمع كل صيفٍ من كل سنة، للعمل معاً على مدى شهرٍ كامل، قبل أن تقوم بجولة في مختلف أنحاء العالم. وقد اتخذ المحترف مقراً له، منذ 1999، في مدينة فايمار بألمانيا. ثم انتقل الى شيكاغو، سنة 2000. وفي السنة 2002 استقرّ في أشبيلية بفضل مساعدة إدارية ومالية من الإدارة المحلية في الأندلس. وانضم الى الأوركسترا عدد من الموسيقيين الإسبان. وفي هذه السنة نفسها منح صاحبا المبادرة إدوارد سعيد ودانيال بارونبوئيم، جائزة أمير آستوريا في أوفييدو في إسبانيا تحية لعملهما من أجل السلام.

في السنة 2003 في آب (أغسطس)، عزفت هذه الأوركسترا في الرباط في المغرب، البلد العربي الأول الذي استقبلها. وفي السنة 2005، في آب كذلك، عزفت في رام الله. وكان ذلك حدثاً رمزياً كبيراً. وفي السنة 2006 عزفت في قصر الحمراء في الأندلس. وفي السنة 2007 شاركت في مهرجان سالزبورغ. وفي هذه السنة 2008 عزفت في باريس في صالة بلييل، بعد جولة في إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا والدنمارك وبرلين.

* تقديراً لهذا المشروع وإعجاباً به، التقيت في باريس بدانيال بارونبوئيم، في حضور السيدة مريم سعيد، زوجة الراحل الكبير، إدوارد سعيد والتي تخلفه في هذا المشروع، عشية تقديمه حفلته الموسيقية في قاعة بلييل، في 25 آب الماضي، وكان بيننا حوار يسعدني أن أقدم لقرّاء هذه الصفحة خلاصة عنه، في ما يأتي:

* مشروعكما هذا، إدوارد وأنت، ليس كما يبدو مجرد مشروع موسيقي…

- صحيح. إنه، بالإضافة الى ذلك، منبرٌ عامٌ، أو منتدى مفتوح، من أجل التأمل والحوار في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي. فعبر التبادل والتفاعل الثقافيين بين الفنانين، يمكن أن يلعب هذا المشروع دوراً بالغ الأهمية فيسهم في تجاوز الخلافات السياسية والثقافية القائمة بين البلدان التي ينتمون إليها. وهو في ذلك يقدم أنموذجاً جميلاً للديموقراطية، وللتعايش المتحضر.

وكان إدوارد يعتقد أن هذا المشروع بداية، يتخذ من الفن منهجاً وطريقة في التقارب والتفاهم، وفي معرفة الآخر. خصوصاً أن المتضادات تتلاقى، كما تعرف، في الموسيقى، وتتناغ

المزيد


ثلاثون عاماً على كتاب ادوارد سعيد «الاستشراق»

يوليو 20th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , إدوارد سعيد

ثلاثون عاماً على كتاب ادوارد سعيد «الاستشراق»

أحمد بن راشد بن سعيّد     الحياة     - 16/07/08//

عرفت إدوارد سعيد عندما كنت طالباً في الولايات المتحدة في أواخر الثمانينات، وكنت أشاهده ضيفاً على برامج تلفزيونية عدة. شدتني لغة الأستاذ الأميركي من أصل فلسطيني وجرأته وقدرته على المحاجّة باقتدار وتهذيب في آن. في إحدى حلقات برنامج «نايت لاين» الذي يستضيفه الصحافي «تد كبل»، ظهر إدوارد سعيد ووزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين. تحدث سعيد عن معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال، ورفض التحاور مع رابين قائلاً لكبل إنه مسؤول عن طرد الشعب الفلسطيني من أرضه، وأنه يعتبر سياساته «غير إنسانية وغير عقلانية» (inhumane and senseless).
في إطار إعدادي رسالة الماجستير حول «تناول صحافة النخبة الأميركية للانتفاضة الفلسطينية» كان لا بد أن أقرأ شيئاً من إنتاج سعيد حول القضية الفلسطينية ومعالجة الإعلام الأميركي لها. من أعماله التي ألهمتني الكثير: «تناول الإسلام» و»لوم الضحايا» (الذي اشترك في تحريره مع كريستوفر هيتشنز) وصدر له في ما بعد كتاب «الثقافة والإمبريالية» (1993) ولكن الكتاب الأشهر على الإطلاق كان «الاستشراق» الذي تمر اليوم ذكرى مرور ثلاثين عاماً على ظهوره لأول مرة عام 1978…
ترجم الكتاب إلى عشرات اللغات، وحظي باهتمام منقطع النظير، وانتشرت قراءاته ومراجعاته في الدوريات العلمية وفي الصحافة، وما تزال أطروحاته تفسر العلاقة بين الشرق والغرب، مضيفة الكثير إلى حقول الدراسات الثقافية والإعلامية، ومؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية، وملهمة البحث الاستقصائي في مجالات الثقافة الإمبريالية، وإنتاج المعرفة.
أمد عمل سعيد الباحثين والأكاديميين الغربيين بآلية تمكنهم من تحدي الأطروحات النمطية والتبسيطية للثقافات الأخرى بما في ذلك مفهوم «صدام الحضارات» بل إن «الاستشراق» بوصفه عملاً تأسيسياً في مجاله، غير إلى حد كبير مقاربة الجامعات الغربية لدراسات الثقافات الأخرى غير الغربية.
وضع سعيد في كتابه رؤية مفادها أن الاستشراق بوصفه حركة علمية وسياسية لم ينطلق من منطلقات السعي الموضوعي لفهم الشرق وتقاليده وحضارته، بل كانت أهدافه محددة مسبقاً، وهي في مجملها إيديولوجية وعنصرية وإمبريالية. عمل الاستشراق - بحسب سعيد - منذ نهاية القرن الثامن عشر على اختزال الحضارة العربية الإسلامية في قوالب سهلة وثابتة، الأمر الذي خدم أهداف القوى الإمبريالية في السيطرة على الشرق. أنتج الرحالة والكتاب سلسلة من الأفكار حول الشرق تدور في مجملها حول انهماكه في الفسوق، ميله إلى الاستبداد، عقليته الشاذة، سذاجته، وتخلفه.
كانت صورة العالم العربي في اللوحات الفنية الفرنسية، والروايات الإنكليزية، وحتى بعض الأعمال الأكاديمية خلال القرن التاسع عشر صورة حافلة بالغرابة وفقدان المنطق. كان هناك أيضاً تصوير للشرق بوصفه مكاناً شهوانياً يوفر -كما يقول سعيد - «تجربة جنسية يتعذر الحصول عليها في أوروبا».
الشرق في نظر الرحالة الغربيين ساحة للمتعة ورموزها ودواعيها: الحريم، الحجاب، العبيد، الأميرات، والراقصات، ولا يوجد كاتب أوروبي كتب عن الشرق، أو سافر إليه في الفترة بعد عام 1800 إلا وبحث عن هذه التجربة: فلوبير، ونرفال، وبيرتن، ولين، هم فقط أبرز الأسماء… تم تقديم الشرق بوصفه عالماً مليئاً بالرغبة، لكنه مكبل بالصمت وعاجز عن التعبير، وبدا الجنس الذي يعد به هذا العالم، في نظر هؤلاء الرحالة والكتاب مشوباً بالغموض والعنف. النساء ثمرة «للخيال الجامح لدى الذكور: إنهم يبدين شهوانية مطلقة، وهن تقريباً حمقاوات/ وقبل كل شيء جاهزات» Orientalism، 207:p-1978، هذه الصورة ليست بعيدة عن الأهواء الاستعمارية، فالنساء العربيات والمسلمات يعانين من الاضطهاد والكبت، ولذا فهن يتطلعن بشغف إلى الأوروبي القادم من وراء البحار ليمنحهن الدفء والأمان.
اللوحات الفنية أسهمت أيضاً في تدعيم ثنائية الشرق/ الجنس، فالمرأة المسلمة المحتجبة المتوارية عن الأنظار تظهر عارية في هذه اللوحات، تحيط بها الوسائد والأرائك والعطور، وربما اشتملت اللوحات على سيوف وخناجر ونصال قديمة مزخرفة بآيات قرآنية، وحلي نسائية ودماء، تستخدم في ربط الشرق بالجنس، وربط الجنس بعنف الرجل واستبداده.
حاول الاستشراق في مرحلة من المراحل أن يصور الشرق بوصفه مكاناً رومانسيا ذا طبيعة بكر، وبحار نقية، وشمس ساطعة، ولذا فهو واعد بالطمأنينة وراحة البال. الشرقيون يستمتعون بالطبيعة الهادئة، ولا يوجد ما يعكر صفوهم، أولا توجد تحديات تصقلهم، وتحفزهم على الإبداع، وهذا يلقي مسؤولية أكبر على الأوروبي ذي النظرة البعيدة ليضطلع بواجبه The White Man) Burden) ويقوم بتمدين الشرقي الذي لم تنضجه الحياة بعد.
هذه الشبكة من الصور النمطية وظفت في خدمة مصالح الحكومات الغربية وسياساتها، فظهر الشرق بوصفه «فاقداً للحيوية والروح»، وفي أمس الحاجة إلى إمداده بإكسير الحياة الغربية.
تمحورت أطروحة سعيد حول تقسيم «الاستشراق» للعالم إلى قسمين: غرب وشرق، أو «نحن» و»هم»، وهو تقسيم يعمل عازلاً جمعياً يشل التفكير الذاتي. هناك صفات محددة يتسم بها الشرقيون، ونقيض هذه الصفات هو نمط الحياة عند الغربيين. إذا كان العرب والمسلمون مثلاً كسالى وقساة ومتخلفين، فإن الغربيين تلقائياً يصبحون العكس… لا يمكن أن يحتل الأوروبي مكانة سامية إلا إذا هبط الشرقي إلى الحضيض، يتم أيضاً تق

المزيد


إدوارد سعيد

يونيو 27th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , إدوارد سعيد

إدوارد سعيد
آخر تحديث:الأربعاء ,25/06/2008

سعد محيو

ليس هناك كتاب شرقي في العصور الحديثة هزّ الغرب كما مؤلف إدوارد سعيد “الاستشراق”. نقول العصور الحديثة، لأن الشرق سبق له أن كان النور الذي أشرق على الغرب حين كان هذا الأخير غاطساً في لجج القرون القروسطية المظلمة، فقدم له التراث الهيليني على طبق إبن رشد الفضّي، وعلمه طب ابن سينا (الذي بقي مرجعه العلمي طيلة قرون عدة) وثقفه بفلسفة الفارابي، وعقلانية المعتزلة، وكشوفات جلال الدين الرومي وابن عربي وباقي عباقرة التّصوف الإسلامي.

“الاستشراق” لإدوارد سعيد، الذي احتفى العالم قبل أيام بالذكرى الثلاثين لصدوره العام ،1981 سار في منحى معاكس: بدل تعليم الغرب، عمل أنّبه وعنّفه بسبب تعصبه ومركزية ذاته وامبرياليته، وأيضاً بسبب لا علميته ولا موضوعيته. وهذا ما أثار عليه عاصفة غربية لما تهدأ بعد من الحنق والغضب والإدانة. عاصفة تتجلى في عشرات الكتاب والدراسات التي صدرت مؤخراً، والتي ينحو معظمها إلى محاولة تشويه القيمة العلمية ل”الاستشراق”.

لماذا هذا الحقد على كتاب واحد، في غرب ينتج سنوياً ملايين الكتب التي يدين العديد منها استعماريته وتجاوزاته ضد الحضارات الأخرى؟

لسبب واحد على الأرجح: إدوارد مسّ عصباً حساساً للغاية في أسنان الغرب، حين أماط اللثام عن

المزيد


الشرق: الرسم الاستشراقي البريطاني صور شرقية عالية الجمالية لا علاقة لها بالشرق

يونيو 16th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , إدوارد سعيد, الإسلام وحملات الإساءة‏, مقالات فكرية مختارة يوميا من جميع الجرائد

الشرق: الرسم الاستشراقي البريطاني صور شرقية عالية الجمالية لا علاقة لها بالشرق
ابراهيم درويش

16/06/2008
ثلاثون عاما مضت علي كتاب ادوارد سعيد المؤثر الاستشراق (1978) وما زال الجدل يدور حول ماهية الاستشراق وطبيعته، هل كان هوسا وشوقا للمعرفة مبرأ من الايديولوجيا ام كان ايديولوجيا بحد ذاتها ورؤية سياسية تعبر عن سلطة المعرفة وقوتها وكان اداة طلائعية للاستعمار، كما اقترح سعيد؟. فالاستشراق في نظر سعيد هو رؤية سياسية عن الواقع قامت بنيته علي تمرير الاختلاف بين المعروف/ المألوف فبعيدا عن كون عمل المستشرقين عملا محايدا للمقارنة بين الشرق والغرب، فقد كان تعبيرا عن علاقات القوة. في كتاب الاستشراق الذي تناول فيه المدرستين الفرنسية والبريطانية لم يتطرق سعيد للرسم الاستشراقي الا بشكل محدود. لكن الرسم والرسامين الذي جالوا المشرق في القرنين الثامن والتاسع عشر، عَصْرَي تشكل الاستعمار الغربي وهيمنته العسكرية والاقتصادية والثقافية علي المستعمرين كان قادرا علي نقل الكثير من ملامح الشرق والشرقيين وقد ترك لنا الرسامون تراثا غنيا بالالوان والوجوه والرموز والحيوات التي شاهدوها واستعادوها عندما عادوا لباريس ولندن في مراسمهم. وفي احيان كثيرة لم يسافر فيها الرسامون اكتفوا بالاعتماد علي الوثائق والكتب الاثنوغرافية التي اعدها رحالة ودبلوماسيون، كتاب وشعراء عن المشرق واستعادوا من هذه المواد الخام صورة عن الشرق عكست في الغالب تحيزهم ومواقفهم الجاهزة او الانتقائية عن الشرقي ـ العربي والفارسي والتركي. كان اهتمام الرسم الاستشراقي، البريطاني والفرنسي وان اختلفا في المعالجة وتميز الرسومات الفرنسية بحس الصدمة والفضائحية، منصبا علي عدد من الملامح والموضوعات، اهمها الحريم، الذي عكس تماسا وتلاصقا في احيان كثيرا بين الفنتازيا وبين الحقيقة. فالفنان كان يرسم من خياله ومعتمدا علي ما سمع والتقطه احيانا من بيوت اللذة او الكتب المتوفرة لديه، ومع الحريم، هناك الحجاب والقناع الشرقي، الذي لم يتحرج الغربيون من التزيي به، فلدينا كم من الرسوم لرجال دولة وعسكريين ورحالة تزيوا ولبسوا الزي الشرقي، ايرانيا، افغانيا، مصريا ، بدويا وفلسطينيا. وهناك الهوس او الاهتمام بالفضاء المدمر، الزمن الخالي الذي يعيد فيه رسم الصلة والبيعة لتاريخه المشترك مع الرومان واليونان، متجاوزا العربي الشرقي، الذي حرص الفنان علي دمجهم في الصورة ولكنه اعطاهم حسا ثانويا، ووضعا غريبا، يشوش عين المشاهد ولكنه يفتحها علي اختلاف هذا الشرقي وبالتالي وحشيته. وهناك ايضا الاهتمام بالفضاء والمعمار، الداخلي والخارجي، بيوت وقصور ومساجد، مشاهد عامة لمدن، سماوات مفتوحة صافية، ضوء ودفء. اضافة للحياة اليومية في مدن الشرق، السوق، الحكواتي، الباعة في ضوضاء وغبار اليوم، النميمة والقيل والقال امام البيوت، الجلسات الكسولة امام البيوت، دخان المقاهي وباعة الوهم والمخدرات والزيارات بين نساء الطبقة العالية في مجتمع اسطنبول او القاهرة. حرص الفنان الاستشراقي علي نقل تفاصيل المشهد الذي عاينه، مع انه كان يكمله بعد عودته لان الفنانين البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا معتادين علي الرسم في الهواء الطلق، بل علي هدوء مراسمهم. والمشهد في الصورة الاستشراقية حافل بالتفاصيل: تقاطيع الوجه، العمامة، القمباز، الثوب، الخنجر، الصندل، الشروال، اللفحة، الغليون.. وغير ذلك. ربما كان الفنان في حشده لهذه الرموز يقنع مشاهده بالمعرفة والاصالة وانه عندما يرسم كان يرسم عن تجربة او معرفة بالسياق الشرقي واوضاعه بل ان لوحات تصور الحوش، او غرف الاستقبال كانت محاولة لاعطاء صورة عن السلطة، سلطة الفنان علي اختراق عالم الشرقي المغلق عليه، وفي احيان اخري كان الفنان يعيش حياة الشرقي ويعيد انتاج بيت الشرقي في مسكنه، بل ويواصل مسلكه التمثيلي الخارج عن كل اذواق المجتمع الفيكتوري بالنسبة للرسام الانكليزي، اي يتقمص دور الشرقي قلبا وقالبا وفي الحياة اليومية وليس في المناسبات كما درج عليه دبلوماسيون ورحالة اقاموا بعد عودتهم نوادي تجمعهم يلتقون فيها كل اسبوعين، مثل النادي المصري (1741 ـ 1743) ونادي الديوان 1744. هنا، هل يقع الفن الاستشراقي ضمن المنظومة والرؤية عن الايديولوجيا التي تحدث عنها سعيد، ام ان بعضه يصدق عليه هذا التحليل، وهل كان الفن الاستشراقي رغم واقعيته الخادعة، يعبر عن حقيقة الشرق ام ان الغربي عندما كان يرسم الشرق فانه كان يرسم نفسه ويمرر رؤيته وموقفه معرفته في داخل لوحته الشرقية، وكان في السياق نفسه يعيد تدوير ازمته، قلقه، مخاوفه، وحدته في واقعه علي عالم الشرق الهادئ، المتجادل مع زمنه، وهل كان يقوم باتخاذ مقعد الشرقي ليعكس اندماجه في حياته او يعكس سطوته وقوته، وكما قلنا ازمته ومرضه. اننا ازاء معضلة يفرضها علينا هذا الرسم، سواء عن المدخل وعن النية والقصد وعن الاداة والطريقة مع اننا نقف ازاء هذا الفن موقف الدهشة والاعجاب ان علي صعيد اللون والضوء والحركة او علي صعيد الموضوع، فاللوحة اي لوحة من هذا التراث تمتلك وحدة وتماسكا واغراء للمشاهدة الطويلة والتحديق والتحليل، عن رؤية المنتصر للمهزوم. تظل مسألة واقعية الرسم وعلاقته مع زمنه وسياقه اشكالية من ناحية ان ما رسمه الفنانون الاوروبيون كان محدودا في موضوعاته ويشير الي حدود المعرفة هذه، فهو كان يرسم رجال الدولة والمسؤولين، وكان يرسم من الهامش، وليس من المركز فهو ان خدع بصرنا بدور له فيما كان يحصل الا انه كان متفرجا مثلنا، والمتفرج ذاكرته قصيرة وانتقائية. علي العموم يعود الرسم الاستشراقي البريطاني تحديدا لساحة النقاش الاعلامي والشعبي في معرض ضخم نظمه متحف الفن تيت بريتين والذي بدأ في الرابع من شهر حزيران (يونيو) الحالي. ويطمح منظمو المعرض الي اغواء الرأي العام مثلما اغوي الشرق رسامي معرضهم. وعلي مدار 172 لوحة يرحل الزائر للمعرض اغواء الشرق: الرسم الاستشراقي البريطاني في تاريخ الشرق وعلاقته مع الغرب، هنا يتجلي التاريخ والماضي بكل القه وحزنه، عبر ريش ووجوه من صنعوه. يجابه الزائر للمعرض بالماضي الذي قد يختار ويستعيد ظله علي حاضره. ويخرج الزائر بانطباع ان زمن الفنانين البريطانيين الذين عاشوه ورسموه هو زمننا، زمن الصراع والهيمنة. وتثور في ذهن المشاهد اسئلة عن حقيقة هذه الصور وان كانت تتحدث عن شرقنا في زمنه العثماني، وعن ثقافتنا، رسوم ربما كانت تتحايل علي ما يرتكبه البريطانيون من سياسات واضطهاد وقتل ضد الشعوب المستعمرة، ورسوم مخادعة لا تعكس ما يجري في قلب الامبراطورية المتداعية من انتفاضات وثورات بل وحتي من سياسات، فهي وان جاءت في معظمها بعد مذكرة التنظيمات التي صدرت في عهد السلطان عبدالمجيد عام 1837. فهي لا تعكس صور الحداثة والتحديث في هذه الدولة بل تحاول التأكيد علي سكونية المجتمع وكسله، وتخلفه، فباسم الجمالية اللونية يؤكد الفنان علي مظهر التخلف. في كاتالوغ المعرض عدد من المقالات تشير الي اللحظة الاستشراقية البريطانية التي بدأت بعد تنظيمات السلطان عبدالمجيد بعامين، واشارت الي ظهور فن متميز في موضوعه عن الشرق، فن تمظهر اولا في الصور الشخصية بورتريه ثم انتقل الي الحياة اليومية والفضاءات والمشاهد العامة وتلون بكل الدوافع والرغبات التي عكسها الفنانون. وفي الكاتولوغ مقالات عدة لباحثين، منها مقال للباحثة المعروفة رنا قباني التي اكدت علي خداع فكرة الواقعية في رسوم الفنانين البريطانيين وانها ظلت محصورة بالاذواق والمواقف الفيكتورية، وبدلا من ان تقدم صورا اصيلة عن الواقع في المدن والحياة الاسلامية تظل انتقائية، وفنتازية. ولوجهة نظر قباني مبررها لان معظم هذه الرسوم انجزت في القرن التاسع عشر وهو الزمن الاستعماري، وعصر العقلانية الذي سمح بتدمير المدن، وضربها مثل الاسكندرية من اجل تحضيرها بمعني الحضارة بل تذهب قباني للقول ان ما كتبه سعيد بمثابة النبوءة لان الاستشراق وبالضرورة فنه قام علي اساس ان الغرب يعرف عن الغرب اكثر من الشرقي نفسه، وهذا واضح في تجربة لورنس العرب، الذي تحضر صورته في المعرض باللباس العربي التقليدي عندما كان يحضر مؤتمر باريس. وتقول قباني هذا الافتراض، واضح بشكل كبير في الخطاب السياسي الكارثي في البيت الابيض اليوم ويظلل المنطقة (اللينة) من الرسم ايضا . هذا الموقف يدين الفن الاستشراقي ويتعامل معه علي انه غير مبرأ من جرائم الامبراطورية نفسها لانه عكس واخفي بحس مدروس فظائعها بل كان مدانا لانه اخرج المشاهد الاوروبي لهذه الاعمال من حس الواقع والحقيقة الي الخيال والغرابة والفنتازيا. طبعا هناك فنانون نقلوا صورهم عن كتب وفي تحليل دقيق لاعمالهم نلاحظ انها تشبه اسكتشات وجدت في كتب شهيرة في ذلك الزمن بيان عن اخلاق وعادات المصريين الحاليين لادوارد لين. لكن فاطمة المرنيسي، في مقالها عن فكرة السمر حاولت النظر للفن هذا باعتباره محاولة للتخلص من لاوعي خائف مرعوب من الشرق بممارسة عادة السمر الشرقية، وقدمت عرضا لمعني التصاق

المزيد


ادوارد سعيد في حوارات «السلطة والسياسة والثقافة» … هل مهّد كتاب «الاستشراق» لصعود الفكر الأصولي؟

مايو 20th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , إدوارد سعيد, مقالات علي هامش الاستغراب, مقالات فكرية مختارة يوميا من جميع الجرائد

ادوارد سعيد في حوارات «السلطة والسياسة والثقافة» … هل مهّد كتاب «الاستشراق» لصعود الفكر الأصولي؟

سليمان بختي     الحياة     - 19/05/08//

ادوارد سعيد

ادوارد سعيد

يُشكل كتاب «السلطة والسياسة والثقافة - حوارات مع ادوارد سعيد»، الذي أعدّه غاوري فسواناثان، وترجمته نائلة قلقيلي حجازي، (دار الآداب 2008) مدخلاً مختلفاً الى الجهود الفكرية والمساهمات النقدية للمفكر الفلسطيني الراحل (1935 – 2003)، هذه الجهود التي انضوت في سياق ثقافي مكتنز، وفي منظومة تحليلية نقدية تملك صدقيتها ومشروعيتها ومكانتها المميزة في الفكر والثقافة المعاصرة.

يهدي ادوارد سعيد هذا الكتاب الى «ابنتي نجلاء وابني وديع مصدر السعادة في حياتي». ويقدم له في تمهيد موقع في نيويورك 20 آذار (مارس) 2001 يتناول فيه «مفهوم الحوارات باعتبارها عملية استكشافية طويلة. وغالباً ما يتخطى النقاش الأسئلة المعدة لتصبح تحديات من نوع آخر».

تتناول هذه الحوارات الستة والعشرين التي أجريت بين 1976 و2000 قضايا متعددة ومتنوعة تعكس الاهتمامات والانشغالات والانهماكات التي استحوذت على ادوارد سعيد من فلسطين الى بافاروتي، ومن ذكرياته في القدس والقاهرة وبيروت وصولاً الى نيويورك. ويتطرق كذلك في الكتاب الى كبار الكتَّاب مثل أوستن وبيكيت وكونراد ونايبول ومحفوظ والطيب صالح وسلمان رشدي ومحمود درويش، الى كبار نقاد عصره مثل بلوم ودريدا وفوكو وتشومسكي وريموند وليامز. وتعكس هذه الحوارات في مضامينها شخصية ادوارد سعيد وعشقه للأدب وشغفه بالموسيقى والتاريخ والسياسة. وتؤكد مجدداً مكانة ادوارد سعيد كرمز من رموز الثقافة العالمية المعاصرة «يوسّع فهمنا للعالم ولأنفسنا» كما يقول الناقد اريك فولز.

في هذا الكتاب يمكن المرء أن يلمس عن كثب مدى استعانة ادوارد سعيد بشبكة واسعة ومتنوعة من المرجعيات التي تصدر عن رؤية فكرية شمولية، وتوظف المنهجية الحديثة للخوض والبحث والتدقيق في الموضوعات الإشكالية الحديثة. وعلى شكل سؤال وجواب نكتشف سيولة فكر سعيد واتساع مداه وبلاغته، ووقفته الخاصة أمام السؤال، وأيضاً انسانيته المتوقدة، ودائماً التزامه الثابت بقضية فلسطين. ينقسم الكتاب الى جزءين، الأول هو: الأداء والنقد. والثاني: العلم ومذهب الفعالية. وثمة أجوبة لدى سعيد تنهض وحدها وتلقي الضوء على مشكلات النص وعلاقته بالحياة. يقول سعيد في هذا الصدد: «النص يُصنع عديد الكاتب والناقد والقارئ وهو مشروع جماعي الى حد ما». ويتوقف أمام عجز النقاد عن ربط «تحليلاتنا أو مقاييسنا الواقعية كما أسميها بالمجتمع والمؤسسات أو الحيوات المنبثقة عنها». ويصر سعيد على مسألة أن يكون الناقد أو المثقف استكشافياً طالما ان سؤال التغيير الاجتماعي يذهب بعيداً من سياقات القرن العشرين. ويعترف انه غارق حتى أذنيه بين الثقافة التي ولد فيها، والثقافة التي يعيشها. وهذا ما يدفعه بالتالي الى دراسة التاريخ العميق لظروف انتاج الثقافة وخصوصاً بين الحكام والمحكومين.

وفي كل صياغاته يظل سعيد مُركزاً على المكان، على محور

المزيد


«إدوارد سعيد: أسفار في علم الثقافة» كتاب لمحمد شاهين … مواجهة

مايو 3rd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , إدوارد سعيد

«إدوارد سعيد: أسفار في علم الثقافة» كتاب لمحمد شاهين … مواجهة الإمبريالية لا تعني تجاهل التقصير العربي

خالد غزال     الحياة     - 02/05/08//

مثّل إدوارد سعيد إحدى الظاهرات الاستثنائية في الغرب وخصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية عبر السجالات الصاخبة التي خاضها مفنداً فيها الدور الذي لعبه الاستعمار المباشر، ثم الإمبريالية لاحقاً، في إدامة تخلف شعوب العالم الثالث. وقد أولى اهتماماً مركزياً لقضية الثقافة ودورها في الهيمنة، بادئاً رحلته هذه مع كتابه الشهير «الاستشراق» وأكمله بكتاب «الإمبريالية والثقافة». وقد شكل الكتابان الأساس في نظرية إدوارد سعيد في مواجهة مقولات غربية تتسم بالعنصرية تجاه الشعوب غير الغربية. في كتابه الصادر بعنوان «إدوارد سعيد، أسفار في عالم الثقافة» (المؤسسة العربية، 2008) يحاول محمد شاهين إضاءة مفهوم الثقافة عند سعيد وبلورة نظريته، لا سيما تلك المتصلة بالهيمنة الثقافية للإمبريالية.

يعتبر إدوارد سعيد الثقافة من أهم مكونات المجتمع البشري، ويصفها بأنها تتجاوز الهويات بل تقع في الأولويات تجاه الهوية. يرفض المقولات الغربية القائلة بخصوصية ثقافات محددة وموقعها المتقدم على الثقافات الأخرى، ويرى أن العالم أزال الحواجز بين الثقافات والحضارات بحيث يصعب الحديث عن الحضارة الصافية، تلك التي يقول بها بعض الكتّاب في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية أمثال هنتنغتون وبرنارد لويس وغيرهم ممن يعتبرهم إدوارد سعيد من منظّري الاستعمار والإمبريالية.

ويرى سعيد أن الثقافة تكتسب أهميتها من كونها نمط حياة شاملاً، ويضعها في أعلى المستويات الاجتماعية لأنها برأيه الأساس الذي تقوم عل

المزيد