مدارات - إدوارد سعيد ودانيال بارونبوئيم: أوركسترا الديوان

أكتوبر 3rd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , أدونيس, إدوارد سعيد

مدارات - إدوارد سعيد ودانيال بارونبوئيم: أوركسترا الديوان الغربي – الشرقي

أدونيس     الحياة     - 25/09/08//

يعرف المعنيون جميعاً أن فكرة «الديوان الغربي – الشرقي» ولدت في السنة 1998 بمبادرة من شخصين كبيرين: المفكّر عازف البيانو إدوارد سعيد، والمايسترو عازف البيانو دانيال بارونبوئيم. وقد أرادا من هذه الفكرة أن يُوجدا مكاناً – مَشْغلاً أو محترفاً، يلتقي فيه شبان موسيقيون فلسطينيون وعربٌ ويهودٌ للدراسة معاً، والتعارف القريب الوثيق في ما بينهم. وقد تحققت هذه الفكرة، عملياً، بإنشاء «أوركسترا الديوان الغربي – الشرقي» في السنة 1999، تضم عازفين شباناً يهوداً وفلسطينيين ومصريين وسوريين ولبنانيين وأردنيين، إضافة الى مجموعة من الموسيقيين الألمان، وعزفوا معاً في فايمار في ألمانيا، لمناسبة مرور مئتين وخمسين عاماً على ولادة غوته صاحب الديوان المشهور الذي استوحي منه اسم الأوركسترا. وانضمت الى الأوركسترا عازفة الفيولونسيل المشهورة «يو – يو ما». ويعرف الجميع أن «الديوان الغربي – الشرقي» لغوته شهادة عالية على إعجاب هذا الشاعر الكبير بالشعر الفارسي، وبالشعر العربي على السواء. وقد أكد صاحبا المبادرة أن مشروعهما هذا فنّي خالصٌ لا علاقة له بالسياسية إطلاقاً، موقنين بأنه لا يمكن أن يكون هناك حلٌّ عسكري للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. هكذا يكون الهدف من هذا المشروع تنمية التفاهم بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتعميقه، بوساطة المعرفة، وبخاصة في شكلها الإبداعي الرفيع: الموسيقى، والعمل على افتتاح طريق لحل سلمي عادل ودائم.

تتألف الأوركسترا من حوالى ثمانين عازفاً تتراوح أعمارهم بين 13 و26 سنة، وتجتمع كل صيفٍ من كل سنة، للعمل معاً على مدى شهرٍ كامل، قبل أن تقوم بجولة في مختلف أنحاء العالم. وقد اتخذ المحترف مقراً له، منذ 1999، في مدينة فايمار بألمانيا. ثم انتقل الى شيكاغو، سنة 2000. وفي السنة 2002 استقرّ في أشبيلية بفضل مساعدة إدارية ومالية من الإدارة المحلية في الأندلس. وانضم الى الأوركسترا عدد من الموسيقيين الإسبان. وفي هذه السنة نفسها منح صاحبا المبادرة إدوارد سعيد ودانيال بارونبوئيم، جائزة أمير آستوريا في أوفييدو في إسبانيا تحية لعملهما من أجل السلام.

في السنة 2003 في آب (أغسطس)، عزفت هذه الأوركسترا في الرباط في المغرب، البلد العربي الأول الذي استقبلها. وفي السنة 2005، في آب كذلك، عزفت في رام الله. وكان ذلك حدثاً رمزياً كبيراً. وفي السنة 2006 عزفت في قصر الحمراء في الأندلس. وفي السنة 2007 شاركت في مهرجان سالزبورغ. وفي هذه السنة 2008 عزفت في باريس في صالة بلييل، بعد جولة في إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا والدنمارك وبرلين.

* تقديراً لهذا المشروع وإعجاباً به، التقيت في باريس بدانيال بارونبوئيم، في حضور السيدة مريم سعيد، زوجة الراحل الكبير، إدوارد سعيد والتي تخلفه في هذا المشروع، عشية تقديمه حفلته الموسيقية في قاعة بلييل، في 25 آب الماضي، وكان بيننا حوار يسعدني أن أقدم لقرّاء هذه الصفحة خلاصة عنه، في ما يأتي:

* مشروعكما هذا، إدوارد وأنت، ليس كما يبدو مجرد مشروع موسيقي…

- صحيح. إنه، بالإضافة الى ذلك، منبرٌ عامٌ، أو منتدى مفتوح، من أجل التأمل والحوار في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي. فعبر التبادل والتفاعل الثقافيين بين الفنانين، يمكن أن يلعب هذا المشروع دوراً بالغ الأهمية فيسهم في تجاوز الخلافات السياسية والثقافية القائمة بين البلدان التي ينتمون إليها. وهو في ذلك يقدم أنموذجاً جميلاً للديموقراطية، وللتعايش المتحضر.

وكان إدوارد يعتقد أن هذا المشروع بداية، يتخذ من الفن منهجاً وطريقة في التقارب والتفاهم، وفي معرفة الآخر. خصوصاً أن المتضادات تتلاقى، كما تعرف، في الموسيقى، وتتناغ

المزيد


مدارات - مظلّة لوردةٍ أرهقها العطش-أدونيس -علماني غارق في الضلال وتيه الحرف

سبتمبر 4th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , أدونيس

مدارات - مظلّة لوردةٍ أرهقها العطش

أدونيس     الحياة     - 04/09/08//

- 1 –

«لا ينتهي الجسد»: قلت ذلك في ذات نفسي، فيما كانت عيناي تواكبان جسدَ امرأةٍ تتقلبُ في أحضان البحر: شاطئ «سبورتنغ كلوب»، بيروت.

كان جسدها كمثل حُزمةٍ من الأشعّة تصلُ كلَّ شيء بكلّ شيء. وقلتُ ذلك، فيما كنت أقيسُ (أحاول أن أقيسَ) المسافة بين الأفقُ وذراعيها. لا انفصال. ثمّة جسرٌ رابطٌ. خيطٌ ساحرٌ تنسجه إبرةُ الهواء.

وقلت لجسدي، هامِساً: إذاً، لا مسافةَ بينكَ وبين التراب، لا بحكمة القول: «من الغبار جئنا، والى الغبار نعود»، بل بحكمة قولٍ آخر: من السّفر يعود الجسدُ مُرهقاً لكي يغيبَ في سفرٍ آخر، في شكلٍ آخر.

لا انفصالَ بين الشيء والشَّيء. آخر النّار أَوّل الماء. والذّرّات تتطايرُ في الزمن. لا غالبَ لها.

هُوذا – أُمسِكُ بيد الشَّمس. وأنظرُ اليها كيف ترفُو الثّوب الذي يمزُقه شوكٌ، لغويٌّ على الأرجح، يصِلُ – يفصلُ بين النّهار واللّيل.

قُلْ، أيّها الشّوك اللّغويّ،

هل يقدر الهواءُ أن يدلّنا على نقطةٍ يقول عنها: هذه حدٌّ لي، وهنا أَنتهي؟

وقل: الجسدُ أثيرٌ آخر.

هوذا أجلس معها – تلك المرأة.

ألمسُ الكرسيَّ لا بيديّ وحدهما. ألمسه كذلك بشعاعٍ يجيء منها، ويجيء من عينيّ، مُتَسلّقاً شجرة الحواس.

كلا، ما لا يراه الجسم، لا تستطيع أن تراه الرّوح.

لكن، كيف أعرف أين يسكن الحلم، أو كيف يَتّكئ على وسادة، أو يتمدّد فوقَ فراشٍ، أو يجلس على مقعدٍ حتّى أمامَ بيته؟

ولماذا، إذاً، أقول: الجسدُ لا ينتهي؟

- 2 –

يكاد أن يكون صراخاً هذا الصّوت الذي يُفاجِئ أذنيّ. صوتٌ، صديقٌ قديم:

«لا نزال عبيداً لتاريخنا. لا لجسمه الدّيني وحده، وانما كذلك للنَبض القبليّ – المذهبيّ الذي يخفق في أحشائه.

كلاّ، لم نُفارقِ نظامَ الخلافة. وانظر كيف تُجرّر أذيالَها من «بصرَة الخراب» الى «الجماهيريّة العُظمى»، وكيف تأتي «مُنقَادةً» الى «أهلها». ولئن كان هناك فرقٌ بين أمسِ واليوم فليس إلاّ فَرْقاً شكليّاً: في اللّباس، والتبرّج، والزّينة.

تاريخٌ – طغيانٌ ينهض على رماد طغيان.

هل تريد أن يكون حكمك على الأشياء الرَاهنة، ناضِجاً، حقّاً؟

إذاً، ضعه فوق نار المعرفة – خصوصاً معرفة التّاريخ»،

«شكراً، يا صديقي»، همستُ كمن ي

المزيد


مدارات - لا وقت في بلادنا للوقت

سبتمبر 2nd, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , أدونيس

مدارات - لا وقت في بلادنا للوقت

أدونيس     الحياة     - 21/08/08//

- 1 –

تتقدم الأرجل أحياناً، فيما تتأخر الرؤوس.

كيف يقدر جسمٌ أن يوفق بين رأسهِ الثقيل وقدمه الخفيفة؟

- 2 –

«الرياءُ» ممحاةٌ تمحو «الرأي».

- 3 –

«الحاجة» طلبٌ لا ينتهي. كيف نحدّد ما لا ينتهي؟

وفي نشوء بعض الحاجات «أسرارٌ» يتعذر فهمها، وإن كانت «مكشوفةً».

لماذا الحاجةُ، مثلاً، الى «القتل»؟ سواءُ انبثقت من داخل «القاتل»، أو أُمليت عليه من خارج؟ خصوصاً أنها تبدو اليوم في العالم كله، وبخاصةٍ في العالم العربي الإسلامي كأنها ملحّةٌ و «محييةٌ» كمثل الحاجة الى الحب والعِلم، أو كمثل الحاجة الى الخبز والماء.

هل الإنسانُ «لغةٌ في القتلِ» – أعني هل هو «حاجةٌ بيانيةٌ للقتل»؟

- 4 –

سلطةٌ لا «ترى» إلا من يُعارضها.

ماذا ترى، إذاً؟

وقبل ذلك، هل تعرف سلطةٌ كهذه أن ترى؟

- 5 –

«مقهى الزوزو» في جبلة:

الشاطئ هنا اصغاءٌ متواصل الى كلام البحر.

غير أن البحر لا يقول إلا نفسه.

ومع ذلك يعبر الموجُ هنا بكامل جسده: فهو، في آنٍ، شاعرٌ وموسيقي، راقصٌ ومغنٍ، مهندسٌ ونحات. ما أبهج الجلوس في أحضان هذا الشاطئ.

لكن، ما أشدّ الالتباس الذي يغمره. انه التباسٌ يبدو فيه كأن الشيء هو الذي يُغيّر الإنسان. ويُغيره الى درجةٍ يبدو فيها الشيء، أحياناً، كأنه هو نفسه الإنسان.

- 6 –

من أين لبعضهم هذه «القدرة»:

لا يرى نفسه إلا «كاملاً».

في حضرة مثل هؤلاء، لا تقدر إلاّ أن تصرخ:

ما أجملكَ أيها «النقصُ»، وما أكملك.

- 7 –

التاريخ العربيّ، اليوم، كلامٌ يتعفّنُ في قفصٍ اسمه «المجد».

ركامٌ.

رواية مسلسلة، بليدة وخانقة.

هكذا، كلَّ صباحٍ،

يترك لك الليلُ، عند وسادتك، طبقاً فارغاً اسمه النهار.

- 8 –

حقاً، عندنا نحن العرب:

لا وقت للوقت.

- 9 –

«حصين البحر»، البلدة التي تنتمي الى جغرافية الإبداع الذي أسس له سعد الله ونّوس وحيدر حيدر، ويتابع هذا التأسيس أصدقاؤهما الكثيرون، شهادة عالية تنضاف الى شهاداتٍ سبقتها (ج

المزيد


مدارات - ألف شارعٍ وشارع: «الكلامُ أو الموت»

يوليو 31st, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , أدونيس

مدارات - ألف شارعٍ وشارع: «الكلامُ أو الموت»

أدونيس     الحياة     - 31/07/08//

(تحية الى مصطفى صفوان)

- 1 –

- «هذا شارعٌ شيعيٌ»، قال صاحبي، وهذا سنّي، وذلك مسيحي. ثم أردف متمتماً: «لحسن الحظ، في هذا الشارع الأخير أزقةٌ كثيرة».

- هل تقصد أن المدينة هي مجموع هذه الشوارع؟ وإذاً، أين هويتها، بوصفها مدينة؟ أم ان لها ثلاث هويات، أو أكثر؟ أم انها مجرّد مكان جغرافي؟

- الهوية، مدنياً وإنسانياً، ثقافة. انتماء الى لغة. الى فن. الى علم. وليس الى دين، أو جماعة. أو عرق، أو إثنية.

أن تكون لك، بهذا المعنى، هوية، هو أن تكون لك «الهويات» كلها.

- إذاً، لستَ «لبنانياً» يا صديقي إلا بالإقامة والسُّكنى. وأسألك: مع أي شارعٍ تُحسّ بالتطابُق والتماثل بين خطواتك وخطواته؟

- لا أحس بالتطابق الدقيق حتى مع نفسي أو جسدي، فكيف يمكن أن أتطابق مع شارع؟

- و «الحوار» بين الطوائف – الشوارع، أو الشوارع – الطوائف؟

- ليس في شكله السائد إلا حرباً لإبادة المكان، هذا الذي يُسمّى «وطناً». الحوار الإنساني الحق هو الحوار بين البشر بوصفهم أفكاراً وحريات، لا بوصفهم أدياناً.

- 2 –

شارعٌ – قفيرُ نَحْلٍ تقوده غابات، لا من الجبل لا من السهل. غابات غامضة ولا تُرى. للنهار فيها شكل الفمِ، ولِلّيل شكل الثدي.

- 3 –

شارعٌ – أتعلّم السهر لكي أعرف كيف أُترجم كوابيسه،

وكيف أقرأ

سِحْرَ خيطه الرمادي

الذي يصل بين سواد التعب وبياض الصلاة.

- 4 –

شارعٌ – انظْر الى البشر

كيف يحاولون الصعود الى السماء عُراةً

على سلالم الكلمات.

- 5 –

شارعٌ – يوزّع الموت في «قِسْمةٍ ضِيزى»:

مسرحاً دائماً لملهاةٍ في ثوب مأساة،

ولمأساة في ثوب ملهاة.

وما أكثر الأجسام التي هي نفسها

الخشبة واللغة والممثلون.

- 6 –

شارعٌ – ادخلْ في المعدن، واسألْه:

من أين لك هذه الأجنحة؟

واسألْه:

لماذا تشوّش اليد فيك على العين،

ولماذا يخاف العنق من الرأس؟

- 7 –

اخترْ شارعاً، أي شارع، وحاول أن تمشي فيه.

لن تقدر إلا بمشقة،

وسوف ترى أن عينكَ هي التي تفكّر:

تخلق ممراتٍ لقدميك،

وتخلق لكل ممرٍّ خطواته.

وسوف ترى الفضاء كأنه دخيلٌ ومجنون.

- 8 –

شارعٌ –

نجومٌ على جدرانه

بعضها احتفالٌ بغيابٍ اكتمل،

وبعضها يهيئ احتفالاً

لغيابٍ آخر مُنتظر.

- 9 –

شارعٌ –

ليس صحيحاً أنّ المفتاح صامتٌ

في رأسك،

أنتَ، يا من يفتح بابَ اللغة على الصمت.

- 10 –

شارعٌ – كأنّ الموتَ ثَدْيٌ

لرضاعٍ دائم.

- 11 –

شارعٌ –

للجدران فيه حلمٌ مُلحٌّ:

أن تكتسي بالصور.

كل صورةٍ عبدٌ وسيّدٌ معاً،

وكل صورة تعرّف نفسها بأنها وطنٌ للجميع.

حقاً، إن كان هناك وطنٌ للجميع فهو الصورة.

- 12 –

شارعٌ – الحلمُ هنا، هو نفسه

بحيرةٌ من الدم.

هكذا سوف تعترفين، أيتها الأرزة الحكيمة،

أنّ الهواء

قد يكون أحياناً سُمّاً آخر.

- 13 –

شارعٌ – يداهُ في الحِبر

وقدماهُ في الحلم:

لا يُحبّ إلا قراباتٍ

يقدر أن يعانقها من بعيد.

- 14 –

شارع – أُمٌّ لولدٍ

لا اسم لها،

لا اسمَ له.

- 15 –

شارعٌ – يرفض القفلُ المفتاح الذي

المزيد


مدارات - إشارات-أدونيس-علماني ضائع في مساحات فكر غربية ومقاهي باريس

يونيو 5th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , أدونيس

مدارات - إشارات

أدونيس     الحياة     - 05/06/08//

1 – إشارات

- 1 –

أهناك «وميض نورٍ» في «رماد» بيروت؟

وهل نُحيي في الجواب عن هذا السؤال «العِلمَ الفرحَ»، كما يقول نيتشه، أم نُحيي، على العكس «العِلمَ المبرِّح»، كما يقول المتنبي؟

- 2 –

«سلامٌ الدوحة» أفقٌ واعدٌ، ودليلٌ كريم.

حَبذا لو تمثلت فيه، خلافاً للقواعد التقليدية، قوى المجتمع المدنيّ في لبنان، بمستوياته كلها – الثقافية، والاجتماعية، إذاً لكان أَغنى وعداً وأكرم دلالةً.

- 3 –

واقع بيروت بين 5 حزيران 1967 و5 حزيران 2008؟ أهو الغصن الذي يُورق – وأين هو؟ أم الورقةُ التي تسقط؟ وما أكثر الأوراق التي سقطت.

وكيف أحكم على هذا الواقع أولهُ وأنا جزءٌ منه؟

مَن يقدر اذاً أن يحكم لي أو عليّ؟

- 4 –

- ما الإهانة الكبرى للإنسان؟

- أن يُستخدمَ ويُسيَّرَ في سبيل غاياتٍ يجهلها.

- 5 –

كُن آملاً، دون أن تنتظرَ شيئاً.

- 6 –

في لبنان (وفي العالم العربي كلّه) زواجٌ ثلاثيٌّ بين السياسة والدين والمال. هكذا، لا مستقبل للحب إلاّ في الطلاق.

- 7 –

أعجبُ ما في هذا اليوم: «5 حزيران» أنه كان كشفاً، وقد صارَ اليومَ حجاباً.

2 – تاريخ مختصر

يقول ديدرو:

«هل تريدون أن تعرفوا التاريخ المختصرَ لبؤسِنا – كله، تقريباً؟

إذاً، اليكم الجواب:

كان يُوجد إنسانٌ طبيعيّ فأدخِلَ في جوفهِ إنسانٌ آخر اصطناعي. (هكذا) قامت في الكهف حربٌ تتواصل على مدى «الحياة».

وهذه حرب لا ينجو منها أحدٌ، كما تؤكدّ التجربة:

إما أن يعي الإنسان ذاته الطبيعية، وينمو بها ويتكامل، وإمّا أن يستسلمَ للاصطناع، فيهدم ذاته ويَنهار.

3 – مسرح

تبقى بيروت، تاريخيّاً، بين أعظم المدن على شطآن المتوسط. المسؤولون عنها، مدنيّاً، والمشرفون عليها إدارياً مطالبون، إذاً، بأن يكون عملهم من أجلها في مستوى تاريخها.

وإذا تذكرنا معهم أن «النظافة من الإيمان»، حقاً، فإن علينا أن نضيف: «لكن، لا من الإيمان، وحده، بل من الجمالِ كذلك. و «الله جميلٌ»، يقول أسلافنا المتصوّفون الكبار. وهو «يحبّ الجمال»، كما يقولون أيضاً. والجمالٌ لا ينحصر في الشكلِ، على جلاله. الجمالُ الأكبرُ والأغنى هو جمال المعنى أو المضمون.

* شارع المعرض – زال عن خاصرته زُنارُ الخيام والأسلاك الشائكة.الشمس نفسُها تحتفي بهذا الشارع. تحتفي كذلك، على نحوٍ خاصٍ، الكنيسة الأرثوذكسية. وانظروا اليها: كأنها الى جوار الجامع الكبير، كوكبٌ سابحٌ في محيطٍ من البهاء. ظَلِّلني بذاكرتك، أيها الشارع.

*الى متى سيظلّ «الجشعُ التجاري – السياحيّ» وَرَماً في عُنقِ بيروت، ينزفُ أبداً، ويكاد أن يخنقه؟

أشفِقوا

المزيد


مدارات - ماذا يفعل إذاً بتلك الرايات؟أدونيس -علماني ضاعت بداياته فكيف نهاياته!

مايو 8th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , أدونيس

مدارات - ماذا يفعل إذاً بتلك الرايات؟

أدونيس     الحياة     - 08/05/08//

- 1 –

تاريخٌ كمثل غيومٍ تتكاثَفُ، ولا ريح.

غيومٌ تسدّ الأفق حتى على الشمس،

وها هو الثلج يواصل سقوطه، غامراً رؤوس البشر

وعقولهم.

فليهنأ الطغاة.

- 2 –

بكى جسدُ الليل

فيما كان يتمدد على الفراش المريض

الذي تتمدد عليه بيروت.

- 3 –

لا تمشِ أيها الليل حافياً

بين أعشاب بيروت.

الأعشاب كلها تحولت الى مسامير وشظايا.

- 4 –

أنقاضٌ تُحيط ببيتك،

تقفز أحياناً على الدرج،

وتصعد حتى وسادتك.

تتزلزل الكتب، وتفرُّ منها الكلمات

كأنها طيورٌ يرُجُّها الذعر.

- 5 –

لا يعرفُ لماذا نُصِّبَ حارساً للخريف،

ولماذا ربّاه الصيف

لكي يقوم بهذه المهمة،

وساعده في ذلك الشتاء والربيع.

لا يعرف.

يشعر أنه سيموتُ قبل الفصول،

وأنّ الموت هو الحارس الوحيد.

- 6 –

الوقت، هذا الوقتُ، بحيرةٌ تجفُّ،

تتخبّط فيها أسماكٌ واهنة.

للأسماك عيونٌ تشبه عيون الأطفال.

- 7 –

نجومٌ تَلبس ثياباً بيضاً

تنتظرها نوارس عاشقةٌ تلبس الموج.

لكن، لماذا يرتجف الشاطئ،

راسماً على صدره شبكة سوداء؟

- 8 –

في ظل صخرة، يتفيّأُ ويتأمل:

«لا بأس»، يقول في ذات نفسه،

«عندي بابٌ لكل جهة من الجهات الأربع».

سيزيفُ، أخيراً،

يبتكرُ موسيقى للسفر مع الصخر.

- 9 –

اللانهايةُ «داءٌ»

أخطرُ ما فيه أن دواءهُ هو النهاية.

- 10 –

يُصرّ على أن يضع قلبه دائماً،

بين شفتيه:

يريد أن يغيّر العلاقة

بين لمسة اليد وخفقة القلب.

- 11 –

الساعة – هذه الآلة الذكية

لا تسأله إلا عمّا مضى.

المزيد


مدارات - ذلك العُشْبُ الذي ينبتُ على الألسنة

أبريل 24th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , أدونيس

مدارات - ذلك العُشْبُ الذي ينبتُ على الألسنة

أدونيس     الحياة     - 24/04/08//

- 1 –

«هُنا ترقدُ الحرية»:

أسأل، أبحث، أترقّب،

لا أرى أحداً يؤمن بالانبعاث.

- 2 –

إن كان لي بيتٌ فهو الحب،

إن كان لي وطنٌ فهو الشعر.

- 3 –

عاشقُ نفسه يظلّ مطمئناً:

لا أحدٌ يغارُ منه،

لا أحدٌ ينافسه.

- 4 –

هل يحدثُ أن يكون شارحُ النص

أكثر أهمية من كاتبه؟

نعم. حدث هذا في الثقافة العربية،

ويحدث في ثقافات كثيرة أخرى.

- 5 –

أحبّ المعجم لغايةٍ واحدة:

يذكّرني بالكلمات التي لا يذكرها.

- 6 –

هوذا شخصٌ يكبرُ بالنظر

ويصغر بالعمل.

هوذا آخر يصغر بالنظر

ويكبر بالعمل:

الحياة بينهما دائرةٌ مستطيلة.

- 7 –

لا يؤمن بالأشباح،

لماذا، إذاً، يخاف منها؟

- 8 –

«عُلِّق على خشبة»،

غير أنّه علّقَ العالمَ على كتفيه.

- 9 –

الغزالةُ قصيدةٌ

ترجمها الشعراء العُشّاق في امرأة.

- 10 –

«نبتَ العشبُ على لسانه»:

مَثَلٌ عربيٌّ قرويٌّ،

يُفصح كثيراً عن ثقافة المدنية العربية، وعن لِسانها.

- 11 –

حقاً، تحتاج الدواجن عندنا

الى تربية بورجوازية.

- 12 –

الحقيقة في الوعي العربي «نافعةٌ»، دائماً،

أو يجب أن تكون كذلك.

هكذا «تُقتَلُ» الحقائق الأكثر أهمية للوعي نفسه:

تلك «الضارة»،

وتلك التي لا «نفعَ» منها.

- 13 –

أتُسمّي هذه «رواية»،

وهي لا «تروي» ظمأ الكلام،

ولا ظمأ الشيء؟

- 14 –

«في انتظار البرابرة»؟

لكن، لم يعد هناك برابرة،

أعني صار الناس كلهم برابرة،

وماتت القدرة على الانتظار.

- 15 –

حاضرون في قاعة ضخمة،

يستمعون الى خطيب غائب:

أهذه حالة الثقافة العربية الر

المزيد


مدارات - اللغة العربية في رعاية «القمة»

أبريل 10th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , أدونيس

مدارات - اللغة العربية في رعاية «القمة»

أدونيس     الحياة     - 10/04/08//

- 1 -

في «إعلان دمشق» الذي صدر عن القمة العربية العشرين، «إعلان عَزْم» على:

«إيلاء اللغة العربية اهتماماً ورعاية خاصة، باعتبارها وعاء للفكر والثقافة العربية، ولارتباطها بتاريخنا وثقافتنا وهويتنا، لتكون مواكبة للتطور العلمي والمعرفي، في عصر العولمة والمعلومات، ولتصبح أداة تحديث في وجه محاولات التغريب والتشويه التي تتعرض لها ثقافتنا».

إنه «عزمٌ» تقتضيه، بالضرورة القصوى، لغة هذا «الإعلان» ذاتها. ففي هذه الفقرة، وحدها، أكثر من خطأ يتصل بدلالة الكلمة، وطُرق استخدامها، ونسق التركيب النحوي واللغوي والفكري، مما تتميز به اللغة العربية. غير أن هذا يحتاج الى دراسة، على حدة.

في كل حال، لا بد من شكر هذه القمة على اهتمامها بآخر ما تبقى للعرب من الخاصيات التي تدل عليهم، وجوداً وهوية.

نأمل ألاّ يندرج هذا الاهتمام في لائحة الاهتمامات الأخرى، الوحدوية، الاقتصادية، السياسية… إلخ، وأن يكون «العزم» هنا، صادقاً.

يعني الصدق هنا:

أ – أن يتعلّم «قادة» العرب، اللغة العربية، بوصفها أولاً، صرفاً ونحواً، وبوصفها، ثانياً، المُحيط الذي يحتضن الحضارة العربية.

ب – أن يعمل هؤلاء القادة على إعادة النظر، جذرياً وعلى نحو شامل، في طرق «الرعاية» القائمة، بدءاً من البيت، مروراً بالمدرسة والجامعة، وانتهاء بمختلف المؤسسات الأخرى، الكثيرة، المتنوعة.

ج – أن يعمل هؤلاء القادة، تبعاً لذلك، على إعادة النظر، جذرياً، وعلى نحوٍ شامل:

- في البرامج الراهنة، سواء في طرق تدريس اللغة الفصحى، وفي علاقاتها باللغة أو باللغات الدارجة، وفي المادة التي تُدرَّس.

- في «مبادئ» أو «معايير»

المزيد


مدارات - ذلك الحجاب الآخر-أدونيس -علماني تائه بين الكلمات التائهة!

مارس 14th, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , أدونيس

مدارات - ذلك الحجاب الآخر

أدونيس     الحياة     - 13/03/08//

- 1 –

لا تريد السياسة الأميركية أي توازنٍ حقيقي، على أيّ مستوىً، بين اسرائيل والعرب. وهذا ما تؤكده التجربة على مدى خمسين أو ستين سنةً. فهي تريد أن تظلَّ اسرائيل في موقع التفوق، إن لم نقل الهيمنة، وأن يظلَّ العرب في موقع «الحماية».

«وصاية» أخرى على العرب بـ«جسمٍ» أميركي، هذه المرة، وبـ«روحٍ» اسرائيلية.

غير ان هذه السياسة تنهض على منطق الاستعمار التقليدي: يكفي الإمساك بسندان القوة ومطارق الأنظمة. وهو منطق أبطلتهُ الشعوبُ، أفراداً وجماعات.

هكذا تتواصل «الحرب» بين الأفراد والجماعات، عرباً ومسلمين، من جهة، واسرائيل وأميركا والأنظمة الحليفة لهما، من جهة ثانية. ومع أن الطرف الأول في هذه الحرب، قليلُ العدد والعدّة، فإن القضاء عليه ليس أمراً سهلاً.

وهي، إذاً، حربٌ طويلة.

ولعلها الأكثر بشاعةً بين الحروب: فهي، من الجهة العربية الإسلامية، ضدّ العدو وبين الأخ وأخيه في الوقت نفسه.

ومنطق «الحماية» هو نفسه يُخطط لها، لكي تطول وتتواصل هكذا، ببشاعتها ووسائلها، لغايةٍ واحدة: أن تظلّ الحاجة الى «الحماية» قائمةً ومطلوبةً. أن يظلّ «المسرح» قائماً:

حصار الأطفال في غزة، وتجويعهم، وقتلهم، يُردّ عليه بما يشابهه: قتل التلاميذ في حي كريات موشير، في القدس. وتتم «عمارة» هذا المسرح باسم الأب الواحد: ابراهيم، وباسم النبوّات الواحدة.

يا لهذا التاريخ الذي يلتهم أبناءه.

- 2 –

وضع ايران «الذريّ» يزعزعُ تلك الإرادة الأميركية – الإسرائيلية، خصوصاً أن أفراداً وجماعاتٍ يمدون لإيران أيديهم، ويفتحون لها قلوبهم وصدورهم.

لا بدّ، إذاً، بالنسبة الى المعسكر الآخر، من القضاء على هذا «الوضع». الحجّة جاهزة: أمن اسرائيل، أولاً. وعرب الأنظمة جاهزون لقبول هذه الحجة، فيما تفتك اسرائيل يومياً بما تبقى من هذه الأرض التي تُسمى فلسطين – (وقد نقول غداً: كانت تُسمى).

ولا بُدّ إذاً من أن يتحول العرب والمسلمون لا الى أندادٍ لإسرائيل، بل الى مجردِ سياجٍ لحمايتها.

يا لهذا التاريخ العربي الذي يخجل من كتابته حتى ا

المزيد


مدارات - الحب في زمن الحروب لا الواحد، بل المثنّى

فبراير 21st, 2008 كتبها طارق منينه نشر في , أدونيس

مدارات - الحب في زمن الحروب لا الواحد، بل المثنّى

أدونيس      الحياة     - 21/02/08//

(تحية لجميع العشاق)

-1-

14 شباط 2008، الخميس الماضي: عيد الحبّ. احتفل به كثيرون في العالم. نحن، في العالم العربي، لا نحتفل به. نفضّل الاحتفال بأعياد اخرى، من كل نوع، ما عدا الحب. كأن الحب عندنا غير موجود إلا في لحظة معينة، لحظة السرير. وهي، بالأحرى، لحظةُ جِمَاعٍ، وليست بالضرورة لحظة حب. في كل حال، الحب عندنا في المجتمعات العربية – الإسلامية مسألة لبحث طويل ومعقّد.

-2-

بالحبّ تنفتح الذات على «آخرها»، كما يعبّر الكاتب الفرنسي بيار كلاستر – آخرها الذي تحبه، والذي لا تكتمل، حقاً، إلا به. فبه تلتقي بشطرها المفقود، كما كان يقول أفلاطون، وتكتمل هوّيتها.

هكذا سيكون السؤال الأول الذي يطرحه عليّ، شخصياً، عيد الحب، خلافاً لما يمكن ان يتوقعه بعضهم، مرتبطاً بمعنى الهوّية. فماذا نعني عندما نقول «هوّية»؟

يعني هذا السؤال، بالنسبة إليّ، أمرين متلازمين:

الأول: الإنسان هوَ هوَ.

الثاني: الإنسان هو لا هو. أو: هو غيرهُ.

تتضمن الهوّية إذاً، الائتلاف والتشابه. لكنها، في الوقت نفسه، تتضمن الفرقَ والاختلاف. وهذا يعني ان الذات لا تتحدد، حقاً، أو لا يكتمل تحديدها إلا بالعلاقة مع الآخر. ذلك ان العلاقة هي مكانُ الصيرورة. وليس للكينونة، للذّات، هوّية إلا بوصفها صيرورة، أو في الصيرورة. الهوّية هي في هذا الترحل الدائم بين الكينونة والصيرورة. فالجوهر الثابت الذي لا يتغير، لا هوّية له.

الهوّية مجازٌ: عبورٌ نحوَ.

باللّغة – مجازاً، تنفتح الهوّية على اللاّ مقول في الواقع وفي اللغة. وبالحبّ – مجازاً، تنفتح الذاتُ على «آخرها» الذي لا تكتمل إلا به.

هوّية ا

المزيد


التالي