الثقافة الماكرة والجهل الحميد آخر تحديث:الأربعاء ,24/09/2008
خيري منصور
ما قيل عن أمية الرئيس بوش قبل أكثر من سبع سنوات، وفي بداية عهده الرئاسي يقال الآن عن “ماكين”، فالسّلف الجمهوري لم يكن يفرق بين تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا، والخلف الذي يتهيأ لوراثة البيت الأبيض لا يعرف من هو رئيس وزراء اسبانيا، كما انه لا يعرف أن إسبانيا عضو في حلف الاطلسي، هذا ما نشرته عدة صحف امريكية تعليقاً على حوار اذاعي مع المرشح الرئاسي ماكين، ومن هذه الصحف “الواشنطن بوست” و”التايم”، ولا نظن أن مثل هذه الأنباء عن ثقافة المرشح الجمهوري الذي تجاوز السبعين من العمر هي ضمن حملة انتخابية مضادة ولصالح منافسه أوباما، وإذا كان الرئيس بوش قد بدأ يعد حقائبه لمغادرة البيت الأبيض وهو أقل بياضاً، فلا نظن انه أصبح ضليعاً في الجغرافيا والفلك وفقه السياسة، اللهم إلا اذا كانت الصواريخ والطائرات من طراز (بي 52) والشبح هي التي ترسم بدخانها تضاريس العالم الجديد.
الرئيس بوش أدرجت حماقاته وأخطاؤه في خانة ما سمي “زلات اللسان”، ومنها ما قاله عن الحروب الصليبية، لكن ماكين الذي لم يصل بعد إلى ذلك المرتفع الأمريكي الشاهق والذي يصيب من يصلون إليه بالدوار لا تبدو عليه علائم العبقرية، وقد يكون منافساً لبوش في أحد أبعاد الأمية السياسية والاقتصادية، رغم انه حليفه سياسياً وحزبياً.
وقد نجد من يقولون إن رئيس الجمهورية ليس مطالباً بأن يكون عالم جغرافيا أو استاذا متخصصاً في التاريخ، تماماً كما قيل من قبل عن رؤساء ينصبون المبتدأ ويجرون الخبر ويضيفون واو الجماعة الى النسوة بأنهم ليسوا مطالبين بأن يكونوا سيبويه أو الجاحظ، وذلك شجن آخر بالطبع. قد يحتاج الرؤساء الأمريكيون الى تأهيل ثقافي ودروس خصوصية عندما يتولون منصب الرئاسة، وهذا ليس بالأمر الصعب، لكن المفارقة هي في أنهم شطروا العالم إلى خير وشر، واعتدال وتطرف وهم لا يعرفون شيئاً عن خطوط الطول والعرض، سواء كانت سياسية أو جغرافية أو ايديولوجية في عالمنا.
يحق لهم ما لا يحق لغيرهم، لأنهم أقوياء فقط في زمن لم يعد فيه العقل محسوباً عندما يقاس منسوب الفاعلية والنفوذ، لهذا قد يصفق العالم لما يقترفون من أخطاء في العلم والجغرافيا وخطايا في التاريخ. ان من لا يعرف من هو رئيس وزراء إسبانيا وهي دولة حليفة لبلاده وعضو في النادي الأطلسي، لا يمكن له ان يعرف شيئاً عن زيمبابوي أو الصومال، وقد يظن أن فلسطين هي اسم شارع في تل ابيب أو أن القدس هي متحف أنشأه الملك ريتشارد قبل عدة قرون.
جهل الرؤساء مسموح به، بل هو امتياز اذا كانت القوة تعوض عن الثقافة، لأن المايسترو الذي يقود العازفين في هذه الحفلة التنكرية يشهر بندقية لا عصا أنيقة، والعزف ليس فقط على الطبول بل على قنابل عنقودية وادوات إبادة جماعية.
والأرجح أن الرئيس بوش دشن حقبة في تاريخ السياسة الأمريكية، تكبر فيها العضلات ويضمر فيها الدماغ، ثم يصدق الناس بأن طائرات الأباتشي والشبح قادرة على التغريد في الفضاء.
http://www.alkhaleej.ae/portal/94f00b27-cfbe-498d-b4cc-2db450e253da.aspxكتبها طارق منينه في 06:02 مساءً ::
الاسم: طارق منينه
